‏إظهار الرسائل ذات التسميات منوعات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات منوعات. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 21 مايو 2012

بالفيديو: «قردة أندونيسيا» شموع تحترق لبهجة السياح

 
يلجأ بعض العاملين في مجال السياحة في الدول الفقيرة إلى فعل أي شيء من شأنه جذب السياح حتى وإن كان ذلك على حساب مخلوقات ضعيفة لا حول ولا قوة لها.
ففي أندونيسيا، تجبر القردة على تقديم عروض ترفيهية "قاسية" تحاول خلالها تقليد البشر، في ركوب الدراجات النارية والزلاجات وحتى الأحصنة وهي مقيدة بالسلاسل من رقبتها، فيما يجذب المدرب السلسلة  بيد ويجمع الأموال من أيدى السياح باليد الأخرى.
Cruel: One of the trainers, called Cecep, told a local newspaper around half the monkeys undergoing the training died
وقد استفزت هذه الممارسات الوحشية العديد من النشطاء في مجال حقوق الحيوان حول العالم، ويكافح معظمهم لإنهاء هذه الأفعال الوحشية والبربرية التي تمارس ضد القرود في إندونيسيا.
Indonesia
 
ووفقاً لموقع "الديلي ميل" البريطاني"، تباع القردة علنا في حدائق القرود المتوزعة في جميع أنحاء البلاد ويشتريها المدربون بثمن بخس قدره (14 جنيه استرليني) ما يعادل حوالي 80 درهماً إماراتيا.

تعيش القردة في أقفاص صغيرة وتخضع لنظام تدريب قاس ومؤلم قبل الانطلاق إلى "حديقة القرود المقنعة" لتقديم العروض.
ويلجأ بعض المدربون إلى تعليق القردة من أرجلها لتتعلم السير على أيديها أو ربط أيديها إلى الخلف لإجبارها على المشي منتصبة مثل البشر. 

ونقل الموقع عن أحد المدربين قوله أن حوالي نصف القرود تموت خلال تمارين التدريب، وأضاف أن المدربون مجبورين على معاملة القردة بقسوة لأن الرأفة بها لا تجدي  أي نتيجة.
وتابع أنه أحيانا يشعر بالشفقة عليها ، ولكن الحياة في جاكارتا صعبة هي الأخرى.
Abuse: Some of the trainers even hang the monkeys upside down, or strap their arms behind their backs, to force them to walk upright
ويؤكد نشطاء حقوق الحيوان أن هذه الممارسات القاسية مخالفة للقانون.

السبت، 20 أغسطس 2011

قبل أن يرحل رمضان

دع البكاء على الأطلال والدار *** واذكر لمن بات من خل ومن جار
وذر الدموع نحيباً وابك من أسف *** على فراق ليال ذات أنوار
على ليال لشهر الصوم ماجعلت *** إلا لتمحيص آثام وأوزار
يالائمي في البكاء زدني به كلفاً *** واسمع غريب أحاديث وأخبار
ما كان أحسننا والشمل مجتمع *** منا المصلي ومنا القانت القاري

وداعاً يا شهر يا رمضان ! وداعاً يا شهر الخيرات والإحسان ! وداعاً يا ضيفنا الراحل ! مضى كثيرك ولم يبق بين أيدينا منك إلا أيام قلائل ، عشر تجاورنا اليوم وهي إلى الرحيل أقرب من البقاء ، ولئن قال ابن رجب في لطائفه عند الفراق : ياشهر رمضان ترفّق ، دموع المحبين تدفّق ، قلوبهم من ألم الفراق تشقّق . عسى وقفة للوداع تطفيء من نار الشوق ما أحرق ، عسى ساعة توبة وإقلاع ترقع من الصيام ماتخرّق ، عسى منقطع من ركب المقبولين يلحق ، عسى أسير الأوزار يُطلق ، عسى من استوجب النار يُعتق . اهـ فما أحرانا بتدبّر قوله ، وفعل يطفيء حرارة الوداع .
أيها الشباب قبل أن تُشيعوا ضيفكم الميمون عودوا إلى أنفسكم حفظكم الله وتأملوا ماذا قدّمتم بين يديه ؟ وما هي الأسرار التي بينكم وبين ربكم في أيام شهركم وسيرحل بها رمضان ؟ هاتفني شاب في رمضان بعد سماع إحدى المواعظ وحدثني في الهاتف حديث طويل أذكر من قوله : أشعر من حديثكم أنكم تشعرون بفقد الشهر ، وتتحسّرون على فوات أيامه ؟ فلماذا أنا لا أشعر بذلك ؟ وبعد حديث طويل عن سر فقد الفرحة في قلب من يحاورني قال لي : عفواً أخي في شهر رمضان أسررت المعصية ، وتجاهلت الطاعة ، وكم هي المرات التي لا أشهد فيها صلاة التراويح ، وإن شهدتها فصورة بلا معنى ، وحركات بلا روح ، القرآن عهدي به من زمن بعيد ، وقد حاولت أن أمد يدي إليه مع جملة الذاكرين لكن نفسي حبستني عن الاستمرار وهاأنا لا زلت في بدايته إلى اليوم . أما المعصية فتدفعي لها نفسي دفعاً حتى أنني واقعت أنواعاً من المعاصي مراراً في شهر رمضان فعيني تخطّت ستار المعروف واجتالت في حرمات الله تعالى ، وأذني أبت إلا أن تتجاوز حدها الشرعي فانتهكت ماحرم الله ، ونفسي التي بين جنبيّ جاهدتها كثيراً فكابرت ومانعت واستعصت علىّ ، بل ما زالت بي حتى أوقعتني في الفاحشة ........... ومازال يحدّث حتى أنهار باكياً ، واستعبر أمامي في البكاء ، وأخذ يردد أثناء حديثه أخشى أن لا أكون ممن غفر الله لهم ، أو تقبّل منهم ، أخشى أن يختم الله لي بخاتمة السوء ! فأصبح أسير أحزاني ! أنا لست وحيداً في طريق اليأس فكثير من الشباب أمثالي ، فما زلت به أخفف عنه هذه الآلام حتى عاد يسمع حديثي من جديد فقلت له أخي الشاب لازال في الأمل فسحة ، وفي الوقت بقية ، والعبرة بالخواتيم . وأنا وإياك نشهد هذه العشر المباركة فهل يمكن أن تضع يدي في يدك وتعاهدني على المسير فقال أي والله مسير يعيد لي الفرحة والبسمة في حياتي من جديد لم لا أقبل به ؟ ولما لا أعيشه وقد عشت كل معاني الحرمان في المعصية والدأب عليها ؟ فقلت له أقبل حفظك الله إلى حديث ، أرعني سمعك ، وجُد علىّ بشيء من وقتك فعندي سر السعادة التي تنتظرها ، عندي لك قول الله تعالى : (( قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لاتقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم )) دواء للمنكسرين من أمثالك لكن بشرطها الوحيد : التوبة الصادقة التي رأيت من آثارها أثر الدموع بين عينيك . وعندي لك قول رسولك صلى الله عليه وسلم : (( لله اشد فرحاً بتوبة عبده عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة ، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها ، فأتى شجرة قاضطجع في ظلها ، وقد أيس من راحلته ، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح : اللهم أنت عبدي وأنا ربك ، أخطأ من شدة الفرح . متفق عليه من حديث أنس . إذاً لم يبق عليك حفظك الله إلا الإقبال على ما بقي من شهرك إذ هذه الأيام هي الخاتمة ، وهي سر الشهر ، وأفضل أيامه على الإطلاق ، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم تقول عنه عائشة رضي الله عنها : (( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر أحيا الليل ، وأيقظ أهله ، وجدّ ، وشد المئزر )) ولك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة . هذه الليلة العظيمة التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفر له ماتقدم من ذنبه )) متفق عليه من حديث أبي هريرة . وقد أخبر الله عن هذه الليلة أنها خير من ألف شهر في كتابه المبين فقال تعالى : (( إنا أنزلناه في ليلة القدر * وما أدراك ماليلة القدر * ليلة القدر خير من ألف شهر )) وأخبر رسول الهدى صلى الله عليه وسلم أن هذه الليلة في ليالي العشر حين قال صلى الله عليه وسلم : (( تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان )) أقبل على عشر رمضان حفظك الله بكل جهدك وقوتك واحرص على أن يكون ختام شهرك ختاماً حياً مباركاً ، تزوّّد فيها بالطاعات ، احرص على الفريضة مع الإمام والله الله أن يشهد الله عليك أو حتى أحد من خلقه تخلُفاً عن الجماعة بنوم أو كسل ، إلزم النافلة القبلية والبعدية ، واحرص على أداء صلاة التراويح والقيام مع جموع المسلمين ، ولا زم فيها دعاء : اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني فهي وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأم المؤمنين . أكثر من قراءة القرآن ، ونوّّع في القراء مابين حدر وترتيل ، ولتكن عنايتك بالتدبّر لآيات القران الكريم فإن في ذلك خير كثير . قم برعايتك والديك وقبّل رأسهما كل مساء ، والزمهما بالطاعة والبر فإن ذلك من أعظم فرص استغلال شهر رمضان . صل أرحامك ، وتعاهد جيرانك فإن ذلك من خلق المسلم . وإنني إذ أدعوك إلى التمعّّّن في هذه الأحاديث إنما أدعوك للتحرر من الكسل واستقبال الآخرة ، والإقبال على عشر رمضان الأخيةر ففيها بإذن الله تعالى سر السعادة المرتقبة التي تبحث عنها ، وإنما حين أقرر لك أن هذا هو طريق السعادة آمل منك أن تجرّب هذا الطريق ولن تجد أجمل منه ولا أسعد على وجه هذه الحياة ، وهؤلاء الذين تراهم في مجتمعك تبرق أسارير وجوههم يالاستقامة هم كانوا مثل ما أنت فيه الآن من الحيرة والاضطراب ، والهم والغم ، وخاضوا هذه التجربة في بداية حياتهم وحينما وجدوا المفقود والسر الغائب في حياتهم قرروا التوبة ، وهم اليوم وكل يوم يرددون قول القائل : والله إنها لتمر بي ساعات يرقص فيها القلب فرحاً من ذكر الله . ويلهجون بقول الله تعالى : (( قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون )) وفقك الله وسدد خطاك وعلى طريق الخير بإذن الله تعالى نلقاك .
المصدر

الثلاثاء، 15 مارس 2011

الامتداد الإسلامي والمقاربة الجديدة للإسلام

رضوان السيد
ما ظلم الإسلام دينا ومجتمعات، كما ظلم على مدى العقدين الماضيين. فقد صورته المقاربات الشاملة منذ أواخر الثمانينات من القرن الماضي، باعتباره الخصم الوحيد الباقي للحضارة الغربية وقيمها ومستقبل العالم المتحضر. حتى صار المعتدلون هم الذين يقولون إن الإسلام معتدل في الأصل، لكنّ المتشددين استولوا عليه، وعلى «المعتدلين» العمل على استعادته. وراح الذين يريدون التأصيل في كل شيء إلى قراءة أصول الإسلام وحضارته منذ ظهوره في القرن السابع الميلادي. وهكذا انطلقت من جديد ثلاث رؤى استشراقية واستراتيجية، تريد كل منها «تفسير الظاهرة الأصولية الإسلامية». فقال فريق من الدارسين (الفرنسيين على الخصوص) إن الإسلام دين صحراوي، وقد انتشر في البوادي والسهوب المحاذية للصحارى الكبرى التي امتد إليها. والتأزم الحاصل فيه اليوم جاء نتيجة اصطدامه من جديد بالحضارة العالمية لأنه لا يزال في روحه صحراويا متقشفا ويتأبى على التطور. وقد نسب هؤلاء هذه الرؤية في أصولها إلى ابن خلدون، مع أن الرجل كان يفسر وحسب قيام الدول واندثارها لدى العرب والبربر والترك. وقال فريق آخر (الغالب فيه الأنجلو سكسون وصولا إلى الأميركيين) إن الإسلام دين إمبراطوري، وقد أنشأ إمبراطوريات عظمى سادت لقرون. وقد ووجهت تلك الإمبراطوريات في القرنين الأخيرين بالاستعمار والإمبريالية، وحدث التأزم الكبير بسبب انهيار تلك الإمبراطوريات، وسيطرة قوى أوروبية وغربية على سائر عوالمه. وعندما يثور المسلمون اليوم وعلى رأسهم العرب، على تلك القوى الجديدة؛ فلأن ذكريات الإمبراطورية ما خمدت بعد، كما أن المسلمين يأبون الاعتراف بالوقائع الجديدة، فيحاولون التأقلم معها، والتفكير في مستقبل آخر. وقال فريق ثالث ادعى أنه الأقل شمولية وتأصيلا إن كل الديانات الكبرى مرت بمراحل شاسعة كانت فيها الغلبة للديني والماورائي على المدني والإنساني. وقد كان ذلك بارزا على مدى القرون الوسطى في عالم الغرب المسيحي الكاثوليكي. وقد جرى إصلاح ديني في أوروبا فصل الدين عن الدولة، بينما انصرف الآسيويون الكبار إلى ابتداع ملاءمة بين قيمهم الدينية والقيم الغربية التي صارت هي حضارة العالم. وما حصل شيء مشابه في عالم الإسلام، لا على المثال الأوروبي، ولا على المثال الآسيوي. ولذلك ثارت روح الإسلام المحافظة على الحداثة الغربية والعالمية. والمطلوب القيام الآن بإصلاح ديني للفصل أو التلاؤم! واستنادا إلى هذه الرؤى والمقاربات، انطلقت من جهة حركات الفيالق والأساطيل لضرب الثوران الإسلامي الجديد، كما تحدث كثيرون عن «حرب أفكار» لمواجهة الاتجاهات المتشددة في الإسلام، وفرض الإصلاحات التي رأت تلك الجهات ضرورتها لاستئناس العرب والمسلمين ضمن العولمة وطوفانها الجارف. بيد أن المشكلات الضخمة التي واجهتها الحركتان العسكرية والثقافية، ألقت بظلال كثيفة على شتى المقاربات السالفة الذكر، فشاعت الحيرة، وتراجعت التأويلات الشاملة، وانصب الاهتمام على تجميد العرب والمسلمين في الأوضاع التي هم عليها، دونما تفكير كبير بالإمكانيات والاحتمالات الأخرى للموقف. وقد كان جل ما استطاع ذوو النيات الحسنة القيام به الإسراف في الحديث عن حوار الحضارات أو حتى عن ائتلاف الحضارات وتعاونها، في الوقت الذي أصر فيه كبار الساسة الأوروبيين على أن سياسات التعددية الثقافية فشلت، وأن المسلمين لا يمكن العيش معهم بالشروط التي يريدونها، ولا بشروط المواطنة ومقتضياتها. إلى أن انهارت تلك الخطابات جميعا عندما تحرك الجمهور العربي في بلدان جنوب المتوسط، والتي وقف الغربيون والآسيويون إزاءها مفاجَئين وعاجزين عن الفهم في البداية. ثم بدأوا بالمراجعة والتأمل ووضع الخطط لمواجهة الأوضاع الجديدة التي فرضتها الحركات الشعبية المنطلقة. كان التشخيص الأولي أن هذه التحركات «المدنية» الزاخرة لا تختلف عن حركات الجمهور الأوروبي عندما انهار جدار برلين، وعندما حققت دول أوروبا الشرقية نقلتها الجديدة. بيد أن الأوضاع الجديدة تتميز أيضا بسيولة شديدة، وتحمل مخاطر من زيادة الهجرة إلى أوروبا القريبة، وإلى إمكانيات الاضطراب والفوضى.
على أن الذي يهمنا هنا بدء الانقلاب على تلك الرؤى الشاملة والشمولية، والحديث من جديد عن حضارة الإسلام وسلميته، وأن جمهوره بسبب من ذلك لا يقف في مواجهة العصر، وإنما هو جزء منه، ولا تريد الشعوب العربية والإسلامية إلا ما أرادته وتريده شعوب العالم أجمع، من حكم صالح، وسلام مع النفس والعالم، وانتظام مرغوب بين الديني والأخلاقي والاجتماعي والسياسي. وأمامي اليوم كتابان، أحدهما لسامي زبيدة وهو بعنوان: «ما وراء الإسلام، قراءة جديدة للشرق الأوسط». والآخر لباتريشيا ريسو وهو بعنوان: «التجارة والإيمان، ثقافة المسلمين وتجارتهم في المحيط الهندي». وكتاب ريسو قديم يعود إلى عام 1995، وإنما أعيد نشره الآن على عجل، أما كتاب زبيدة فصدر عشية التطورات الحاصلة بالعالم العربي مشرقا ومغربا. ومع أنه لا علاقة بين الكتابين في المضامين، لكن الأهداف تبقى واحدة، وهي الذهاب إلى أن الرؤى السالفة الذكر لا علاقة لها بأصول الإسلام ولا بطبيعته وامتداداته ومصائره. ينصب كتاب زبيدة على بيان خطل الرؤية الأنثروبولوجية والجغرافية التي تعتبر نفسها خلدونية، ويقودها الأنثروبولوجي الكبير الراحل إرنست غلنر. ففي فصل الكتاب الأول يتتبع زبيدة بالنقد كتاب غلنر المسمى: «المجتمع الإسلامي»، والذي يستند إلى فهم خاص لابن خلدون في متابعة التطورات الحاصلة في الإسلام المعاصر، ومن ضمن ذلك الظاهرة الأصولية. ففي أصل الإسلام الصحراوي هذا، بحسب غلنر - ودون أن تكون هناك مؤسسة دينية قوية - يحتل العلماء منزلة رفيعة تتعلق بتجديد الدين والإيمان. وفي الظروف التاريخية العادية لا يتدخل العلماء بشكل مباشر في مسائل الشأن العام. إنما في ظروف التأزم التي عرفها العرب والمسلمون في العقود الأخيرة، وعلى وقع ذلك التأزم شعرت النخب العالمة السلفية وغيرها أن الدين في خطر، فتدخلت بأشكال مختلفة وبخطابات أصالية، أفضت إلى الواقع الراهن الحافل بحركات الصحوة الإسلامية. ويذهب سامي زبيدة إلى أن هذا التفسير مفوت من أساسه. فابن خلدون ما كان يفسر غير طرائق قيام الدول في جزء من عالم الإسلام. أما التأزم الحاصل في نظره فقد كان سببه اختلال العصبيات التي تقيم الدول بالاقتران بدعوة دينية جديدة. وهو ما كان يرى أن للعلماء دورا لا في التأزم ولا في إزالته. وهو يسخر من اعتقاد بعضهم - في زمنه - أن زمنهم قد أتى بسبب ضعف السلطات القائمة. ويلاحظ زبيدة هنا أن الحركات الإسلامية المعاصرة، ما أنشأها العلماء، وإنما نشأت أحيانا في مواجهتهم، وهي حركات سياسية في الغالب تعتمد الدين شعارا، أما عملها فهو شكل من أشكال الصراع على السلطة. وإذا وصلنا إلى إيران وثورتها الإسلامية فإن العصبية القبلية ما لعبت دورا فيها، وللعلماء سلطة في المجتمعات الشيعية من خلال المؤسسة، وهو ما لا يتوافر في عالم الإسلام السني، الذي يمثل الغالبية ضمن الإسلام منذ نحو ألف عام. أما الفصول الأخرى في الكتاب فتدرس الحركات الثقافية والسياسية في الشرق الأوسط والعالم العربي، والمشكلات فيهما لا تختلف كثيرا أو قليلا عنها في سائر أجزاء ما كان يعرف بالعالم الثالث إبان الحرب الباردة.
وتبدأ باتريشيا ريسو من مكان آخر، وللهدف نفسه: إثبات أن أصول الإسلام ليست صحراوية وليست متشددة. ثم إن امتداداته جميعا هي حضرية وبحرية، والمثال الرئيس على ذلك ثقافة المسلمين وتجارتهم وحضارتهم في المحيط الهندي. فالجزيرة العربية تقع على المحيط الهندي والبحر الأحمر، وتمتد من ناحية أخرى إلى شواطئ المتوسط. وقد كانت التجارة قائمة مع هذه المديات البحرية قبل ظهور الإسلام. ثم إنها اشتدت وامتدت عبر البحار بعد القرن السابع الميلادي، حتى صارت البحار مسارحها الرئيسية التي انتشر الإسلام عبرها إلى شرق آسيا وأوروبا والعالم. وهنا تهتم المؤلفة بأمر آخر وهو الدعوة إلى الإسلام. فالدين الإسلامي ما امتد إلى شرق آسيا من طريق غزاة الصحراء، بل من طريق التجارة مع اليمن وحضرموت وبقاع الجزيرة الأخرى. وقد نشر هؤلاء التجار العرب والبربر والأفارقة ثقافاتهم ودينهم في تلك المديات الشاسعة، وما عرفت تلك الثقافة المزدهرة بين الجزيرة والملايو والهند والصين السلاح إلا مع المدافع البرتغالية وسفنهم الحربية في القرن السادس عشر، بعد أن اكتشف الغربيون رأس الرجاء الصالح! إن الحديث عن هذه الطبيعة أو تلك للإسلام والمسلمين هو حديث استشراقي واستراتيجي، والمقصود به الاختزال والابتزاز ولا شيء غير ذلك. وقد أدى إلى سوء فهم كبير سبق أن أشار إليه المؤرخ توبي هاف في كتابه: «الإسلام، وأوروبا، والصين»، كما أشار إليه المؤرخ الهندي بانيكار في كتابه: «آسيا والسيطرة الغربية». لقد كانت هناك شراكة حضارية بين الحضارات الآسيوية، وأوروبا، والإسلام. وكان المسلمون هم الذين يقودون العملية قبل ظهور الاستعمار الأوروبي والعسكرة الأوروبية. وعلى من يريد أن يفهم الإسلام أن يتأمل في حضارته التاريخية وامتداداته بالذات.

الخميس، 24 فبراير 2011

التقريب بين المذاهب.. من المفهوم إلى الاستراتيجية

في أواخر القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين، جرت محاولات عدة لتحويل فكرة التقريب إلى أطر استراتيجية تكون واضحة الأسس والمعالم، وتتحدد فيها المقاصد والغايات، وذلك لدفع فكرة التقريب خطوات إلى الأمام، وإعطائها بعدا استراتيجيا، والتعامل معها وفق هذا المنظور الاستراتيجي، وإخراجها من الحيز النظري الذي كانت عليه إلى الحيز التطبيقي.
وفي هذا النطاق، جاءت الندوة الدولية التي عقدت بدمشق في أبريل 1999م، وبحثت وضع استراتيجية مشتركة للتقريب بين المذاهب الإسلامية، وكانت برعاية مؤسسة الإمام الخوئي الخيرية في لندن، وبالتعاون مع العديد من المؤسسات الإسلامية الحكومية وغير الحكومية، منها مؤسسة الأزهر في مصر، ورابطة العالم الإسلامي في السعودية، ودار الحسنية في المغرب، والمنظمة الإسلامية إيسيسكو، وأكاديمية العلوم في إيران، وحضرها جمع كبير من العلماء والمفكرين والباحثين من أتباع المذاهب الإسلامية المختلفة.
وفي سنة 2002م أعلن المجمع العالمي للتقريب في طهران عن استراتيجية له في التقريب بين المذاهب الإسلامية، شرح فيها المفاهيم والمبادئ والقيم، وحدد أسس التقريب ومجالاته، وكشف عن الأهداف والتطلعات. وتتمة لهذه الخطوة، عقد المجمع سنة 2005م مؤتمره السنوي في طهران، تحت عنوان (استراتيجية التقريب بين المذاهب الإسلامية).
لكن الخطوة المتقدمة في هذا المجال، هي الخطوة التي أقدمت عليها المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو)، حين وضعت استراتيجية لها بعنوان (استراتيجية التقريب بين المذاهب الإسلامية)، إلى جانب استراتيجياتها الأخرى في التربية والثقافة والعلوم، واعتبرت أن هذه الاستراتيجية تتصل بمجال بالغ الأهمية يرتبط بالوحدة الثقافية في العالم الإسلامي، وبتماسك الأمة الإسلامية وتضامنها.
وجاءت هذه الخطوة، بعد برنامج عملي وضعته المنظمة الإسلامية يعنى بقضية التقريب، وفي إطار تنفيذ هذا البرنامج عقدت المنظمة ندوتين عقدتا في العاصمة المغربية الرباط، الندوة الأولى عقدت سنة 1991م، والندوة الثانية عقدت سنة 1996م.
وهاتان الندوتان كانتا في نظر المدير العام للمنظمة الإسلامية الدكتور عبد العزيز التويجري بمثابة القاعدة لتطوير التفكير في ضرورة بلورة وثيقة تحدد الهدف الرئيس من التقريب، وتوضح المفهوم العملي لهذا التقريب، ووضع الأسس للعمل من أجل تحقيق هذا الهدف عن طريق التعاون والتنسيق بين أتباع المذاهب الإسلامية للتغلب على كل المعوقات التي تحول دون التقريب.
وعلى ضوء نتائج هاتين الندوتين عهدت المنظمة الإسلامية، إلى فريق من العلماء والمفكرين وضع وثيقة مشروع (استراتيجية التقريب بين المذاهب الإسلامية).
ويرى الدكتور التويجري أن هذا المشروع جاء مستمدا من روح الشريعة الإسلامية، ومستوحى من مقاصدها الشريفة، وقائما على أسس علمية تمثل خلاصة ما انتهى إليه الفكر الإسلامي في هذا العصر، من ضرورة التأكيد على تجاوز الاختلافات المذهبية، والارتقاء إلى مستوى المعالجة العلمية، تحقيقا لوحدة الأمة الإسلامية الثقافية والفكرية والوجدانية، ووحدة العمل من أجل تحقيق المصالح العليا.
وفي سنة 2001م عقدت المنظمة الإسلامية في العاصمة الأردنية عمان اجتماعا، أطلقت عليه اجتماعا للخبراء خصص لمناقشة ومراجعة هذه الاستراتيجية، وذلك قبل إقرارها من الدول الأعضاء في المنظمة، وكنت واحدا من الذين شاركوا في هذا الاجتماع.
وفي مايو 2003م اعتمد المؤتمر الإسلامي لوزراء الخارجية هذه الاستراتيجية، في دورته الثلاثين المنعقدة في العاصمة الإيرانية طهران.
وحسب هذه الاستراتيجية، فقد جرى إعدادها على أسس علمية وفكرية، مجردة عن المؤثرات العاطفية، والتحيز المذهبي، وبأسلوب مرن محكم، يجعله ممكن التحقيق، قابلا للبرمجة والتطبيق.
وفي نظر هذه الاستراتيجية، يعد التقريب عاملا مهما في تضييق رقعة الخلافات والحد من انتشار ظاهرة التعصب المفضية إلى التفرقة والفتن، وجسرا متينا لترسيخ قيم الائتلاف والتسامح، واتباع صراط الرشاد الهادي إلى تماسك الأمة، وتدعيم عناصر وحدتها.
وترى هذه الاستراتيجية، أن مسؤولية التقريب هي: مسؤولية جماعية يشترك فيها العالم والمثقف والفقيه والأديب والداعية ورجل الإعلام والصحافة، إلى جانب الأجهزة والمؤسسات الرسمية والشعبية، وتتطلب هذه المسؤولية ما يلي:
1 ــ تخطيط عمليات التقريب، والسهر على تنفيذها، مع تبني استراتيجيات محلية منبثقة من أهداف هذه الاستراتيجية الأم ومضامينها.
2 ــ إعداد البرامج والأنشطة القابلة للتنفيذ على المستوى الوطني، وربطها بالأنشطة المماثلة في بلدان الدول الأعضاء، وتطوير أنشطتها، وإذكاء حيويتها.
3 ــ تنمية علاقات التعاون والتكامل مع الهيئات المماثلة في البلدان الشقيقة، ومع المنظمات والهيئات ذات العلاقة، وطنيا وعربيا وإسلاميا.
4 ــ الإسهام في إعداد حملة رسالة التقريب، وتدريبهم على نشر ثقافته، وفق أسس إسلامية وحدوية صحيحة وسليمة.
وتجزم هذه الاستراتيجية أنها إذا ما أعطيت حقها من التنفيذ والمتابعة، فإن مسألة التقريب التي جسدتها في كامل بنيتها التنظيمية (مقدمة وأهدافا وأسسا ومضامين ووسائل) ليست بمستعصية الحل، ولا صعبة المنال.
وما نخلص إليه في هذا الجانب، إن فكرة التقريب شهدت تطورا هو في غاية الأهمية تحدد في تحويل هذه الفكرة إلى استراتيجيات تتكشف فيها المفاهيم والمصطلحات، المقاصد والغايات، الأسس والمرتكزات، الوسائل والأساليب، وتجعل منها فكرة واضحة المعالم، ولا ينبغي النظر لهذه الفكرة بعيدا عن هذا التطور الاستراتيجي.
المصدر

تحليل إخباري: هل تصبح ديمقراطية أندونيسيا نموذجا لمصر؟


2/24/2011
جاكرتا – سارا شونهاردت – ش
التشابهات بين أندونيسيا منذ عقد مضى ومصر اليوم تشابهات مثيرة للدهشة: أغلبية مسلمة وانتفاضة شعبية وطرد لرجل قوي استمر وقتا طويلا. إن خطوات أندونيسيا بعد إجبارها سوهارتو على التنحي عن السلطة العام 1998 تجعلها نموذجا محتملا لمصر التي تحاول بناء دولة ما بعد مبارك.
وقد أثنى كثيرون على أندونيسيا لانتقالها السلس السريع من فترة اضطراب داخلي إلى دولة تزهو بأنها أكبر اقتصاد في جنوب شرق آسيا، إضافة إلى امتلاكها لإعلام نابض ومجتمع مدني شارك مرتين في انتخابات مفتوحة. كما أثنى المجتمع الدولي أيضا على نجاح أندونيسيا في شن حملة على الإرهاب.
ولكن المساءلة مازالت ضعيفة، يوضح ذلك شبكة من محاكمات الفساد تم فيها إما تبرئة المشتبه بهم أو معاقبتهم بقضاء فترات قصيرة في السجن. ورغم النمو الاقتصادي بنسبة أكثر من 6% العام الفائت، فإن فجوة الثروة لا تكاد تتزحزح، كما أن الهجمات الأخيرة على الأقليات الدينية، التي يتم تجاهلها على نطاق واسع، على يد الشرطة قد أقلق البعض بشأن تنامي التعصب بين الجماهير.
إن نضال هذه الأمة من أجل جعل الجميع مسؤول أمام القانون، كما يتضح في المحاكمة المقبلة لرجل الدين الأندونيسي المتشدد أبوبكر بشير، يذكرنا بالمصاعب التي يواجهها بناء مؤسسات ديمقراطية والحفاظ عليها بعد زمن طويل من انتهاء الحكم الاستبدادي.

قضية بشير يمكن أن تكون سابقة
يواجه بشير مجموعة من التهم تشمل جمع أموال لمعسكر تدريب ميليشيات مسلحة في "آتشيه " والقيام بعمليات سطو مسلح وعمليات قتل دعما لحرب مقدسة. وبعد نجاته من الإدانة في المحاكمتين السابقتين، يواجه بشير الآن ملفا من الأدلة يقال إنها تربطه بالمعسكر الموجود في آتشيه، وتشمل شهادة من دائرته المقربة.
يقول المراقبون إن النيابة العامة عليها أن تجعل الاتهامات مقتصرة على فترة اتهامية واحدة من أجل تأمين حكم بالإدانة وتقديم علامة بارزة للديمقراطية الأندونيسية.
"بالطبع، كلما زاد عدد التهم كان ذلك أفضل،" يقول جريج فيلي، أستاذ السياسة الأندونيسية في الجامعة الوطنية الأسترالية.
ومازال بعض الساسة الإسلاميين متشككين بشأن دعم بشير لأنشطة إرهابية، ولكن البروفيسير فيلي يقول إن الإدانة من شأنها أن تضع نهاية لهذه الشكوك.
"يمكن أن يكون ذلك سابقة لتعقب كثير من رجال الدين المتشددين الآخرين الذين يقومون عن عمد بتحريض الناس على العنف،" تقول سيدني جونز، محللة قضايا الإرهاب في مجموعة الأزمات الدولية وهيئة الميليشيات الإسلامية في ماليزيا.

سمعة التعددية محاصرة
ولكن سيدني جونز مازالت حذرة من إعطاء أهمية كبيرة لمحاكمة بشير. فبشير، الذي ينظر إليه منذ أمد طويل على أنه القائد الروحي للجماعة الإسلامية في أندونيسيا، وهي شبكة مسلحة إقليمية تهدف إلى إقامة الشريعة الإسلامية عبر جنوب شرق آسيا، فقد بعض الدعم الذي كان يحظى به في السنوات الأخيرة، حيث تحولت الخلايا المسلحة إلى مجموعة مفككة من المجموعات الصغيرة.
ولكن الإرهاب هو شكل واحد فقط من أشكال التطرف، وما يقلق أمثال جونز هو أن الحكومة قد تعثرت في التعامل مع أعمال عنف أقل، مثل الكلمات التي تقود مباشرة إلى الاعتداء.
"ليس هناك توجيه حازم من الدولة حول كيفية حماية مواطنيها،" يقول سيافي أنور، رئيس المركز الدولي للإسلام والتعددية، وهو شبكة من النشطاء الإسلاميين التقدميين. ويقول أنور إن الرئيس يفقد سيطرته على الجماعات المتطرفة – وهذا يجعل الأمر صعبا بشكل متزايد للدفاع عن سمعة التعددية في أندونيسيا.

ماضي أندونيسيا في الواجهة
رغم المخاوف الراهنة بشأن تراجع الديمقراطية، تقول جونز إنه من المهم الحفاظ على ماضي أندونيسيا في الواجهة. "هذا لأن أندونيسيا قد استعادت بعض الحريات الرئيسية مثل أننا نستطيع انتقاد الحكومة بسبب فشلها في اتخاذ خطوات معينة".
فهل أندونيسيا نموذج جاهز لمصر؟
في هذا المجال قالت جونز "عليكم بالقيام بكل الإصلاحات التي تستطيعون القيام بها في ذات الوقت الذي مازالت فيه روح الإصلاحات عالية؛ أخرجوا الجيش من السياسية سريعا، وألغوا كل المراسيم الوحشية،" وأضافت ..عليكم كذلك بعمل شيء لم تفعله أندونيسا، ألا وهو ضمان أن الجميع، بما فيهم الشرطة وأقليات أخرى، لهم سهم متساو في الديمقراطية. كريستيان ساينس مونيتور

الثلاثاء، 22 فبراير 2011

الإسلام.. صالح لكل زمان ومكان

الشريعة الإسلامية وضعت للناس إطاراً عاماً وأوضحت طريق الخير والشر، وأن على الناس أن يتحركوا تحت هذا الإطار حسب ظروفهم وبيئتهم المحيطة بهم ، ليحققوا بذلك مقاصد الشريعة وهي تحقيق العدل والمساواة
لو نظرنا إلى أي مجتمع في العالم الإسلامي، لوجدنا فيه فئتين، تختلف فيهما الآراء والتوجهات، فهناك فئة تريد إبقاء كل قديم على قدمه، وفئة أخرى معاكسة لها تدعو إلى التغيير والتجديد.
وخير مثال على ذلك، الجدل الحاصل حول مسألة "الإسلام صالح لكل زمان ومكان"، فالفئة الأولى ترى أن أقوال العلماء والفقهاء الأوائل في الإسلام أحكام مطلقة تصلح لكل زمان ومكان، وليس في الإمكان أبدع مما كان، والفئة الأخرى ترى عكس ذلك تماماً فترى أن أحكام الفقهاء في تلك الفترة قيلت لمعالجة مشكلات آنية كان يعانيها المجتمع آنذاك، كمثل الطبيب الذي ينصح المصاب بفقر الدم بالأكل كثيراً، بينما هو ينصح المصاب بضغط الدم بأن يأكل قليلاً.
والمشكلة هنا ليست في اختلاف وجهات النظر بين الفريقين، فهذا مطلب ضروري لتوازن المجتمع كما يراه علماء الاجتماع، ولكن المشكلة تكمن في التنازع وإقصاء الآخر، وتعطيل المصالح الاقتصادية والاجتماعية للناس.
ولتوضيح ذلك نأتي بمثال بسيط من كتاب "فوائد البنوك هي الربا الحرام" لمؤلفه الدكتور يوسف القرضاوي، فهو يبحث في فصول كتابه عن تحريم فوائد البنوك في عصرنا الحالي، ويدافع عما يسمى بالبنوك الإسلامية ويقول إنها أحرزت نجاحاً واضحاً في الميدان الاقتصادي، حتى كاد ما يسمى بالبنوك الربوية يتعطل.
ثم يصف الدكتور القرضاوي الرأي الآخر والذي يرى عدم حرمة الفوائد البنكية بأنهم عبيد الفكر الغربي، وأسرى حضارته، وعملاء معسكراته، مع أن الدكتور في كتابه يعترف أن بعض علماء المسلمين قد قال بالتحليل، ولا أدري هل يصنف الدكتور القرضاوي العلماء الذين قالوا بالتحليل بأنهم من أتباع الفكر الغربي وعملائه؟ ..
في الحقيقة أن القرضاوي لا يهتم بسبب تحريم الربا، ولا يركز على الظلم الاجتماعي لها، ولكنه يستعرض آراء الفقهاء في الموضوع من الناحية الشكلية البحتة، ثم يفند الآراء المعارضة بمنطق صوري بحت يتضمنه الانتقاص وإقصاء الآخر، ويستدل على ذلك ببعض الحوادث الاقتصادية والتي تشكل الجانب السلبي فقط، ناهيك عن وجود العوامل السياسية في رده.
وقد نسي القرضاوي وغيره أن قوام الحياة الاقتصادية في عصرنا هو البنوك، حيث يصعب أن تقوم حياة اقتصادية منظمة من غير بنوك، والدكتور القرضاوي وغيره يسرعون إلى الحكم بأن عمل البنوك حرام، وهم لا ينظرون في الربا من حيث محتواه الاجتماعي، وإنما ينظرون إليه من حيث شكله أو صورته المنطقية ويكفيهم في حرمة العمل أن يكون بالصورة المنهي عنها وليس المهم بعد ذلك أن يكون من الناحية العملية عملاً ضاراً أو نافعاً.
وبناءً على ما سبق نقيس أيضاً آراء بعض الفقهاء والعلماء في مسائل الطلاق وتعدد الزوجات، فكثير من الآراء في هذا الموضوع لا تنظر إلى الظلم الاجتماعي الواقع على المرأة والأبناء جرّاء الطلاق وتعدد الزوجات، فصحيح أن الإسلام أباح الطلاق وتعدد الزوجات ولكن في نفس الوقت وضع شروطاً وإجراءات لها تتغير بتغير الظروف والمجتمع، لم ينتبه إليها البعض للأسف الشديد.
فالطلاق في الإسلام يجب أن يمر بعدة إجراءات طويلة إذا استكملت حدث الطلاق، وكلها تخضع للتوثيق والتسجيل وضمان حقوق الزوجين.
فإذا كان التوثيق في صدر الإسلام يتم بشهادة الشهود، وذلك بسبب أن الغالبية في ذلك الوقت أميون لا تتوفر لديهم أدوات القراءة والكتابة، لذا كان الشهود أكثر فاعلية في ذلك الوقت، أما في العصر الحاضر فالكتابة هي الوسيلة الأفضل لتحقيق التوثيق، كما أنه أصبحت هناك حاجة في الوقت الحاضر لوضع الأنظمة والقوانين التي تضمن حقوق الزوجين، منها على سبيل المثال حضانة الأبناء والإنفاق عليهم، فالواقع اليوم نجد أن كثيرا من النساء يقع عليهن عاتق الحضانة ولكن في نفس الوقت لا تجد ضمانة للإنفاق عليها وعلى أبنائها.
ومع ذلك للأسف نجد أن بعض الفقهاء يركز على أحكام الطلاق التي قال بها الأولون ويترك المحتوى الاجتماعي له، و نجد أيضا نفس التعامل مع مسألة تعدد الزوجات، بل رأينا أيضاً الهجوم الشديد على من انتقد ذلك واتهموه بالتبعية والتأثر بالفكري الغربي مع أنهم لم يخرجوا عن الإطار الإسلامي الذي يتفاعل مع المتغيرات والظروف المحيطة بالمجتمع، مع وجود حاجة ملحة لتقنين وتنظيم هذه المسألة لضمان حقوق الطرفين وحقوق الأبناء.
هناك حقيقة غفل عنها البعض، وهي أن الشريعة الإسلامية تتفاعل مع الواقع والمتغيرات الحاصلة في أي مجتمع، وهي صالحة لكل زمان ومكان، ولكن من يريد إبطال الشريعة هو من يقف وقوف الجمود منها، ومن يريد أيضاً تعطيلها على الإطلاق، فكلا الفريقين في نفس الاتجاه.
لنأخذ على سبيل المثال مسألة "العدل" و "المساواة"، فهذه المبادئ من الأمور والمطالب الأساسية في الشريعة الإسلامية، وكل مسلم مطالب بالعدل والمساواة في جميع أموره، ولكن السؤال المطروح هنا كيف يعدل المسلم في عمله؟ أليست الأنظمة والقوانين والمعايير المهنية هي إحدى الوسائل المهمة لتحقيق هذا المطلب؟ فإذا كانت الإجابة بنعم، فمن أين تأخذ هذه الأنظمة وهذه القوانين وهذه المعايير؟.. أليست عن طريق البحوث والدراسات وأفضل الممارسات والتجارب الإنسانية وهي تتغير بتغير الظروف والبيئة المحيطة.. فإذا كانت كذلك.. فلماذا يصف البعض أن بعض الأنظمة والقوانين هي علمانية ومستمدة من الغرب؟.. ولماذا يدعو البعض الآخر إلى تعطيل الشريعة؟..
ومن المثال السابق يتضح لدينا أن الشريعة الإسلامية وضعت للناس إطاراً عاماً وأوضحت طريق الخير والشر، وأن على الناس أن يتحركوا تحت هذا الإطار حسب ظروفهم وبيئتهم المحيطة بهم، ليحققوا بذلك مقاصد الشريعة وهي تحقيق العدل والمساواة وعدم الظلم بينهم فالإسلام صالح لكل زمان ومكان.
سطام عبدالعزيز المقرن  22/02/2011

الأحد، 20 فبراير 2011

ثورتا مصر وإندونيسيا... أوجه التشابه والاختلاف

عن الكاتب

أرشيف الكاتب


  الأحد 20 فبراير 2011
شبه البعض سقوط نظام مبارك في مصر بسقوط حائط برلين. وآخرون شبهوه بسقوط أنظمة دول الستار الحديدي في أوروبا الشرقية في أواخر الثمانينات. لكننا سنقارن ما حدث مؤخراً في مصر بما حدث عام 1998 في إندونيسيا، خصوصاً أن هناك ثمة أوجه شبه وأوجه اختلاف ما بين الثورتين المصرية والإندونيسية، ونظامي الرئيسين السابقين مبارك وسوهارتو.
كان مجيء مبارك إلى سدة الحكم بطريق الصدفة المحضة، ذلك أن الكثيرين قبل 1981 لم يتوقعوا حدوثه قائلين إن اختيار الرئيس المصري الأسبق أنور السادات لمبارك كنائب له لم يكن إلا لكسب ولاء القوات المسلحة المصرية لنظام حكمه، ومضيفين أنه مجرد مسألة وقت قبل أن يختار السادات شخصية أخرى لخلافته. غير أن حادثة المنصة المعروفة في أكتوبر 1981 التي أبعدت السادات عن المشهد السياسي إلى الأبد عجلت في تولي مبارك للحكم وتثبيته في سدة الرئاسة.
وبالمثل فلولا الانقلاب الشيوعي المزعوم في إندونيسيا في 1965، وما رافقه من مقتل كبار جنرالات الجيش، وما تلاه من شائعات حول تورط رئيس البلاد نفسه فيه، لما أبعد "سوكارنو" عن سدة الرئاسة لصالح ضابط مغمور من ذوي المؤهلات العلمية والعسكرية المتواضعة هو "سوهارتو"، الذي منح نفسه رتبة "جنرال"، وأمسك بزمام الأمور بقبضة حديدية لأكثر من ثلاثة عقود متواصلة.
من ناحية أخرى، مثل مبدأ التحالف القوي مع واشنطن ودول الغرب عموماً، والتماهي مع استراتيجياتها الدولية والإقليمية حجر الزاوية في سياسات جاكرتا والقاهرة الخارجية في ظل عهدي سوهارتو ومبارك، بل إن هذا التحالف هو ما شجع الأول على غزو تيمور الشرقية وضمها بالقوة لإندونيسيا، ورتب للثاني القيام بلعب دور إقليمي فعال في الشرق الأوسط.
وإذا كان يحسب لمبارك أنه نفض يديه من سياسات المغامرات والتدخل في الشؤون الداخلية للدول الشقيقة لمصر على نحو خالف به ما كان سائداً في عهد عبدالناصر تارة تحت شعار مقاومة الإمبريالية، وتارة أخرى تحت شعار إسقاط الأنظمة العربية الرجعية، وأرسى سياسات داخلية تنموية حسنت نسبياً من موقع مصر الاقتصادي على الخريطة العالمية، وأمنت للبلاد استقراراً طويلًا، ومنحتها بنية تحتية جيدة إلى حد ما، فإنه يحسب لسوهارتو أنه تخلى عما كان سائداً زمن سلفه من سياسات المماحكة مع جارتيه الماليزية والسنغافورية، مركزاً جهوده على التنمية الداخلية التي وضعت إندونيسيا في إحدى الفترات في مصاف دول النمور الآسيوية. لكن على العكس من مبارك، الذي اقترنت سياساته تلك بفسحة من حرية القول والتعبير وتكوين التنظيمات السياسية والأهلية لم يعرفها المصريون منذ سقوط النظام الملكي، أخرس سوهارتو كل صوت منتقد لنظامه أو حزبه أو عائلته أو بطانته، ووضع أصحابه في غياهب السجون.
وهكذا تمثل الاختلاف الجوهري ما بين مبارك وسوهارتو في أن الأول لم يتعامل قط بقسوة وبطش مع خصومه في الداخل أو الخارج من أفراد أو دول، بمن فيهم الجهات التي كانت وراء حادثة اغتياله الفاشلة في أديس أبابا، وبعبارة أخرى لم يكن مبارك قط دموياً كصدام أو النميري أو زعماء عالمثالثيين آخرين في تعامله مع خصومه السياسيين، بينما كان سوهارتو – رغم بشاشته ووجهه الطفولي – شرساً وعدوانياً وميالًا إلى الاقتصاص العنيف من خصومه، بدليل مسؤوليته عن مقتل نحو نصف مليون إندونيسي شيوعي ونصف مليون آخر من أبناء تيمور الشرقية.
إن الثورة التي قادها الإندونيسيون ضد ديكتاتورية وعنجهية سوهارتو كانت بقيادة الشباب من طلبة الجامعات ومن في حكمهم من قادة المجتمع المدني غير المسيسين الذين استلهموا الكثير من مفردات وأساليب ثورة "قوة الشعب" الفلبينية ضد ديكتاتورية "فرديناند ماركوس"، مستخدمين كل المتاح من وسائل الاتصالات الحديثة ووسائط التواصل الاجتماعي. وهذا هو نفسه الذي حدث في مصر. فالشباب هم الذين قادوا الثورة مستلهمين تجربة "ثورة الياسمين" التونسية، ومعتمدين على وسائط الاتصال الجماهيري الحديثة. وهناك متشابه ومشترك آخر، لابد من الإشارة إليه في هذا السياق هو دور الجيشين المصري والإندونيسي اللذين انحازا إلى الجماهير المتطلعة إلى التغيير، ولعبا دور الحامي لها، غير عابئين بما قدم لهما من إغراءات أو ما مورس ضدهما من تهديدات من قبل رموز الحزب الوطني الحاكم في مصر، ونظيره الإندونيسي ممثلاً في حزب "غولكار".
وأخيراً نأتي إلى العامل المحوري المشترك الذي أدى إلى سقوط نظامي مبارك وسوهارتو، وهو الفساد، وترهل القيادات، وعدم القدرة على تقديم المبادرات الخلاقة والوجوه القيادية الجديدة حسنة السمعة، فسوهارتو ظل يحكم لعقود طويلة، ويجدد لنفسه الفترة تلو الأخرى بمباركة الحزب الذي أسسه وترأسه بنفسه وأدخل فيه مجموعة كبيرة من رجال الأعمال الشرهين الذين ظلوا يزورون الانتخابات البرلمانية ويرهبون منافسيهم كي يضمنوا الفوز والنجاة من المحاسبة. وسوهارتو هو الذي أطلق أيادي ولديه وبناته الثلاث وأصهاره وصديقه المقرب "بوب حسن" للاستحواذ على كل الصفقات والمشاريع في مجالات الإعلام المرئي والاتصالات والطيران والنفط والتعدين والإنشاءات والتصدير والغابات حتى صار كل واحد منهم يجلس على ثروات خيالية في بلد جل سكانه يعيشون تحت خط الفقر.
ورغم أنه من الظلم مقارنة نظام مبارك بنظام سوهارتو في هذا الشق تحديداً، فإنه مما لم يعد سراً أن ما عجل بسقوط الأول هو الفساد الذي لازم رموز الحزب الوطني الحاكم وأنصاره من وزراء وقياديين ورجال أعمال. فأساؤوا بذلك إلى النظام وشوهوا صورة رأسه أمام الجماهير التي كانت إلى وقت قريب تكن له الحب والاحترام لدوره فيا نتصار أكتوبر المجيد.
الشيء الآخر هو أن كلا الزعيمين حاولا في أيامهما الأخيرة تقديم التنازلات على أمل الاستمرار في الحكم، مذكرين الجماهير بأدوارهما السابقة لجهة حماية البلاد من الأخطار الخارجية. غير أن صوت الجماهير وطموحاتها كانت أقوى من أن تـُطمس.
كل ما نتمناه الآن هو ألا تصاب مصر بما أصيبت به أندونيسيا بعيد رحيل سوهارتو من فوضى واختلال أمني ولا استقرار طويل.
د. عبدالله المدني
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
باحث ومحاضر أكاديمي في الشأن الآسيوي من البحرين
elmadani@batelco.com.bh

المصدر

السبت، 19 فبراير 2011

جنوب شرق آسيا يحمل لمصر دروسا وتحذيرات

18/2/2011م

مانيلا - من جون مير ونيل تشاترجي "العرب اونلاين" - فجأة أجبر دكتاتور حكم لنحو 30 عاما بدعم من الولايات المتحدة على التنحي ويتطلع الشعب الحريص فيما يبدو على التخلص من قيود الحكم الشمولي الى تبني الديمقراطية.

وفيما تتطلع مصر الى التحول الديمقراطي تظهر تجربة الفلبين منذ الإطاحة بفرديناند ماركوس عام 1986 واندونيسيا منذ إسقاط سوهارتو عام 1998 أنه في حين أن الثورات تختلف عن بعضها البعض كل الاختلاف فإن عملية الانتقال وعرة وهشة ويمكن أن تستغرق عقودا.

وقال بوب برودفوت من مؤسسة "بوليتيكال اند ايكونوميك ريسك" للاستشارات "في رأيي المهم هو ان الفلبين واندونيسيا على الاخص تظهران أنك تستطيع القيام بالأمر بطريقة صحيحة وبعد أن يبدأ الإصلاح بعيدا عن الزعيم المستبد الذي حكم كل هذه السنوات الكثيرة... ليس بالضرورة أن يقع هذا "الحكم" في أيدي جماعة أصولية او جماعة متطرفة."

وأضاف "مهما بلغت فوضوية العملية فإن هذا يمكن أن يأخذهم الى طريق نحو نظام اكثر ديمقراطية."

ويعتبر كثيرون أن اندونيسيا نموذج افضل للانتقال في مصر باعتبارها دولة إسلامية نأت بنفسها عن المتشددين وبسبب التقدم المبكر الذي أحرزته في تطوير وتقوية اقتصادها ومؤسساتها.

واستطاعت الفلبين واندونيسيا إخراج الجيش من الساحة السياسية وهي قضية مهمة لمصر حيث سمح الجيش للمحتجين بالتجمع.

وقال كيفين اورورك استشاري المخاطر السياسية في جاكرتا "حصلت مصر على دعم اكبر من الولايات المتحدة وهي تحتل موقعا استراتيجيا مهما في الشرق الأوسط وبالتالي يصعب هذا الأمر على مصر."

وأضاف "في اندونيسيا تشرذمت النخبة السياسية وبالتالي تم الاتفاق على إجراء انتخابات. الوضع مختلف في مصر حيث سلم مبارك السلطة للجيش الذي لم يظهر قدرة قط في إجراء الانتقال خاصة في الشرق الأوسط... الأساس حقا هو أن تكون هناك "إدارة" مدنية مؤقتة تقود الى إجراء انتخابات."

وتوفر الفلبين بعض الدروس التي تدعو للحذر بالنسبة لمصر واندونيسيا على حد سواء. كان إسقاط ماركوس سلميا "بقوة الشعب" عام 1986 ثوريا في حد ذاته اذ جاء قبل سقوط الشيوعية في اوروبا لكن البلاد فشلت في استغلال الفرص التي أتيحت لها.

وتظهر تجربة آسيا أن من الضروري لأي ديمقراطية جديدة أن تحافظ على دوران عجلة الاقتصاد ويعني هذا أنه قد يكون على الزعماء الجدد التعاون مع من استفادوا من النظام الذي أطيح به او الذين كانوا جزءا من بطانته.

واحتفظ كثيرون ممن جمعوا ثروات او اكتسبوا نفوذا في عهد ماركوس وسوهارتو بما جنوه. علاوة على ذلك باءت محاولات تعقب الثروات الهائلة التي كونها الحكام المستبدون بالفشل.

وقال برودفوت الذي كان في مانيلا عام 1986 "النخبة الفلبينية أبلت بلاء حسنا حين دافعت عن وضعها. قلة منهم ويشمل ذلك عائلة ماركوس عانت فعلا من الانتقال بعيدا عن رئاسة ماركوس."

في عام 2011 أصبحت أرملة ماركوس عضوا بالكونجرس الفلبيني واحدى بناته حاكمة إقليمية اما ابنه فرديناند فهو عضو بمجلس الشيوخ الفلبيني ويسري الحديث عنه كمرشح محتمل للرئاسة في المستقبل.

ويتجه احد ابناء سوهارتو وهو هوتومو ماندالا بوترا الذي يشتهر باسم تومي الى أن يصبح مرشحا في انتخابات الرئاسة القادمة باندونيسيا.

وفي غياب النمو الاقتصادي يتزايد الغضب الشعبي حتى بالنسبة للحكام المستبدين. وكانت تداعيات الأزمة المالية في آسيا عامي 1997 و1998 هي التي ساعدت في إسقاط سوهارتو وقد كان الاقتصاد أيضا شرارة الاحتجاجات بمصر وغيرها.

وقال اندرو مكينتاير عميد كلية آسيا والمحيط الهادي بالجامعة الوطنية الاسترالية "من مصلحة الأمة وآفاق الديمقراطية أن ينجح الاقتصاد."

وأضاف "اذا لم يكن أداء الاقتصاد جيدا فإن الديمقراطية سترزح تحت ضغط عاجلا وليس آجلا."

والمسألة ليست مجرد رقم يدل على النمو بل يجب أن يحصل الشعب على نصيب من فوائد النمو وهو أمر تحتاج مانيلا الى تحسينه.

ونصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بالدولار في اندونيسيا أعلى منه في الفلبين اذ بلغ 2349 دولارا مقابل 1752 دولارا عام 2009 وفقا لبيانات البنك الدولي. وفي عام 1996 كان نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي متساويا في الدولتين لكن منذ ذلك الحين تضاعف الرقم في اندونيسيا بينما ارتفع في الفلبين مرة ونصف.

وتظهر أرقام البنك الاسيوي للتنمية ايضا أن الفلبين هي الدولة الوحيدة بجنوب شرق أسيا التي تسجل زيادة في عدد الفقراء منذ عام 1990 كما جاء معدل خفض الفقر بها في عام 2008 في مركز متأخر عن اندونيسيا.

وأعاقت المخاوف الأمنية قدرة الدولتين على الجذب السياحي. والسياحة مصدر رئيسي للوظائف والدخل في عقد شهد ازدهارا للقطاع في أجزاء أخرى من اسيا.

وفي ظل اعتماد مصر على السياحة في عشر ناتجها المحلي الإجمالي فإنه سيكون من المهم أن تتجنب العنف العرقي والطائفي الذي شهدته اندونيسيا في الأعوام الأولى من الديمقراطية وأن تتفادى محاولات الانقلاب المتكررة وحركات التمرد المستمرة في الفلبين.

ومع اقتراب الذكرى الخامسة والعشرين لإسقاط ماركوس تتعشم الفلبين في التجديد تحت قيادة الرئيس بنينو اكينو ابن كوري اكينو التي حلت محل ماركوس عام 1986 بعد إدارتين أحاطتهما مزاعم بالفساد وسوء الإدارة.

في عام 2010 احتلت الفلبين المركز 134 من جملة 178 دولة على مؤشر الفساد في حين احتلت اندونيسيا المركز 110 ومصر المركز 98 .

وفي عام 1998 حين وضع المؤشر لاول مرة من 85 دولة احتلت الفلبين المركز 55 متقدمة عن مصر "66" واندونيسيا "80".

وقال مكينتاير "بعض الأخبار السيئة او الحقيقية هي أن الانتقال الى الديمقراطية يصاحبه عادة انتشار الفساد وليس تراجعه."

ويرجع هذا الى الحاجة الى "إقناع" عدد كبير جدا من الناس وليس سلطة مركزية ولا تكن الأنظمة القانونية قوية بعد اي نظام شمولي.

وعلى مؤشرات الحوكمة العالمية التي تشمل التعبير والمحاسبة والاستقرار السياسي وكفاءة الحكومة وجودة التنظيم وسيادة القانون والسيطرة على الفساد تراجعت الفلبين بين عامي 1998 و2009 في حين تحسنت اندونيسيا في جميع المؤشرات.

وفي حين فشلت اندونيسيا والفلبين في القضاء على الفساد عالي المستوى او منخفض المستوى فإنهما أحرزتا تقدما فيما يتعلق بتطوير آليات لمراقبة إساءة استخدام السلطات من خلال المجتمع المدني ووسائل الإعلام التي تتمتع بحرية نسبية.

وكان نجاحهما نسبي في الحفاظ على التناغم بين الجماعات العرقية والدينية المختلفة في غياب دكتاتور قوي مع وجود حركات انفصالية في اقليمي مينداناو وبابوا وجماعات متشددة تشن هجمات إرهابية في العاصمتين.

لكن الفلبين واندونيسيا تماسكتا افضل من يوغوسلافيا او العراق. وربما الأهم هو أن كلا الشعبين احتفظ بشعور ما بعد الثورة وهو أن الديمقراطية حق من حقوق الانسان. "رويترز"

الأربعاء، 16 فبراير 2011

أمريكا تدرس عدة ثورات عالمية لمساعدة مصر على الانتقال نحو الديمقراطية

تخشى أن يتكرر سيناريو شبيه بالثورة الإيرانية

أمريكا تدرس عدة ثورات عالمية لمساعدة مصر على الانتقال نحو الديمقراطية


"الاقتصادية" من الرياض
أجرى مسؤولون كبار في البيت الأبيض دراسة تناولوا فيها عدة ثورات وتحولات سياسية جرت في العالم لاستخلاص عبر منها يمكن أن تساعد مصر على القيام بانتقال منظم ودائم نحو الحكم الديمقراطي.
وقال مسؤول كبير لوكالة الأنباء الفرنسية إن مستشاري الرئيس باراك أوباما في السياسة الخارجية درسوا عمليات انتقالية جرت في آسيا وأوروبا وأمريكا الجنوبية لتقييم مستقبل مصر بعد سقوط الرئيس حسني مبارك المفاجئ نتيجة تظاهرات شعبية حاشدة. وتأتي هذه المراجعة لسوابق تاريخية لأحداث مصر في وقت يبدي معلقون سياسيون أمريكيون قلقهم حيال إمكانية أن تسيطر جماعة الإخوان المسلمين على السلطة في مصر في سيناريو شبيه بالثورة الإسلامية الإيرانية. غير أن عددا من المسؤولين والمحللين يرون أن نماذج أخرى من انتقال السلطة في بلدان مختلفة مثل إندونيسيا وتشيلي وكوريا الجنوبية قد تكون أكثر ملاءمة لمصر. وقال مايكل ماكفول مدير قسم روسيا وأوراسيا في مجلس الأمن القومي والخبير في عمليات الانتقال السياسي الديمقراطي إن "كل بلد حالة فريدة والمقارنة يمكن أن تكون خطيرة". لكنه لفت في المقابل إلى أن دراسة تاريخية لعمليات انتقال سياسي ماضية يمكن أن تعطي إطارا عاما يلقي ضوءا على التحدي المصري.
ودرس المسؤولون كيف خرجت عدة دول من نظام متسلط دكتاتوري ودخلت مراحل انتقالية حاسمة أفضت إلى إقرار دستور ديمقراطي وإجراء انتخابات وقيام مؤسسات ديمقراطية.
ورفعت نتائج الدراسة إلى توم دونيلون مستشار أوباما في الأمن القومي، ومن الواضح أن استخلاصاتها كانت خلف تشديد واشنطن على ضرورة لزوم انتقال سياسي منظم و"لا رجوع عنه" في مصر.
لكن لم يتضح حتى الآن في ظل الغموض الذي ما زال يلف الوضع في مصر، ما إذا كان الجيش سيدعم فعلا التحول الديمقراطي الذي يطالب به العالم لهذا البلد.
كما يطرح سؤال عما إذا كانت الثورة المصرية التي قامت على الشباب وناشطي الإنترنت وتغذت من ثلاثين عاما من التطلعات في ظل حكم مبارك، ستتقبل النصائح الصادرة عن الخارج وستأخذ بدروس الماضي. وقال توماس كاروذرز من معهد كارنيغي إنه من المفيد استخلاص العبر من التاريخ "طالما أننا نفترض أن مصر لن تكون إندونيسيا ولن تكون إيران".
غير أن إندونيسيا تبقى حالة لافتة بنظر واشنطن كدولة ذات غالبية إسلامية اعتمدت الديمقراطية بعد طرد الديكتاتور سوهارتو.
وأوباما الذي عاش في إندونيسيا أربع سنوات حين كان فتى، يرى في العملاق الآسيوي الناشئ نموذجا سياسيا إثر تحول هذا البلد من "حكم قبضة الحديد إلى حكم الشعب". غير أن أكبر بلد مسلم في العالم من حيث العدد ليس النموذج الوحيد بنظر واشنطن.
وقال مسؤول أمريكي كبير إن "الحالات الأكثر فائدة على حد اعتباري تعود إلى نهاية الثمانينيات، في الفلبين وكوريا الجنوبية وتشيلي".
وفي الفلبين أطاحت ثورة مدنية - عسكرية مشتركة الدكتاتور فرديناند ماركوس وأحلت ديمقراطية ثابتة ولو أنها ملطخة بالفساد.
وفي تشيلي اضطر الدكتاتور السابق بينوشيه المدعوم من الولايات المتحدة تحت ضغط الإرادة الشعبية إلى إجراء استفتاء عام 1988 قاد إلى عملية دستورية وانتخابية.
وفي كوريا الجنوبية المتحالفة مع الولايات المتحدة، أطاحت حركة احتجاجية مطالبة بالديمقراطية بنظام عسكري متسلط لبدء عملية انتقالية قادت إلى انتخابات مباشرة.
كما درس المسؤولون الأمريكيون خروج بولندا برئاسة الزعيم التاريخي ليخ فاليسا من الحكم الشيوعي وقيام الجمهورية التشيكية برئاسة فاكلاف هافيل بعد انهيار حلف وارسو.
غير أن الخروج إلى ديمقراطية حقيقية يبقى عملية محفوفة بالمخاطر وغير مضمونة النتائج، وتتطلب من أجل أن تحظى بأكبر فرص نجاح أن تتضافر فيها جميع شرائح الرأي العام.
وهذا يعني بالنسبة لمصر أن تسلك القوات المسلحة والمجتمع الأهلي وأحزاب المعارضة والمواطنون العاديون الاتجاه ذاته.
وقال مسؤول كبير إن "العنصر الجوهري هو ألا تشعر بعض المجموعات بأنها مهمشة في العملية. فإن حصل ذلك، سوف تعرقل هذه المجموعات العملية".
كما رأى المسؤول أن الحكمة تملي على مصر "حصر أجندة التغيير"، مشيرا إلى أن السعي لتحقيق الكثير من المهام في آن قد يسقط الإجماع الضروري.
يبقى أن مصر تفتقر إلى عنصر أساسي في معظم الثورات الشعبية، وهو شخصية كاريزماتية تجسد التوق إلى التغيير، مثل كوراثون أكينو في الفلبين.
غير أن كاروذرز أشار إلى أنه في حين أن وجود زعيم يمكن أن يعطي "لحمة اجتماعية سياسية مفيدة" لحركة ما، فإن الحركة الإصلاحية في تشيلي نجحت رغم أنها كانت تفتقر إلى نقطة ارتكاز مناهضة للحكومة.

المصدر

الخميس، 3 فبراير 2011

ندوة المسألة اللغوية تتساءل: هل تستعيد اللغة العربية دورها بواسطة الجمعيات؟

أحمد العراقي: تناول اللغة من زاوية التنمية المستدامة طرح ضروري وأساسي، خاصة في ظل هيمنة اللغة الأجنبية،
 
ميدل ايست أونلاين

الدار البيضاء ـ من زهرة زيراوي

لا بد من حوار وطني
لا يمكن أن يغفل الفكر اليوم ما قام به الاستعمار على مر التاريخ من حروب، سيعاد فيها النظر، إذ لم تقف الحرب عند ذلك بل اتجهت للغات، لأنها فكر الأمة وتاريخها وحضارتها وعبقريتها والمحرض على البعث من جديد، فاتجهت السهام لصدر اللغة، لتنبت في حقولها دارجات، وعاميات، هي للحكي وليست الحامل الحضاري للفكر.
شاء الله أن تبدأ يقظة ساقها رجال مخلصون. فتأسست جمعيات تتصدى لهذه الحروب، تأسست ليس في المغرب وحده ، بل في كثير من دول العالم العربي، تتصدى للحرب الضروس. من بينها المغرب فأقيم يوم دراسي نظمته جمعية المسار في إطار ائتلاف مع كثير من الجمعيات، وحد بينهم جميعا الحلم واليقظة، وذلك بالعاصمة الاقتصادية الدار البيضاء، وناقش الأعضاء والذين هم بالمناسبة مجموعة من الأساتذة المبرزون والباحثون في موضوع "المسألة اللغوية" والاقتصاد، لقد اجتمع هذا "الورش الوطني الكبير"، الذي يضم فنانين، وأطباء، واقتصاديين، ومفكرين، وأدباء، وجمعيات مدنية، ودعا مؤسسو هذا الإئتلاف إلى إعادة النظر في السياسة اللغوية وترشيد المجال اللغوي بالمغرب، للخروج مما سموها الفوضى التي يعيش فيها الحقل اللغوي، وطالبوا بالاعتماد على مقاربة تحليلية وعلمية، تعطي الهيئة الجديدة قوة اقتراحية مفيدة.
واعتبر المؤسسون أن توفير الأمن اللغوي يصب في مصلحة البلاد، ويسهم في رفع مستوى وعي المواطن المغربي، باعتبار أن اللغة هي الفضاء الذي يعبر به الإنسان عن تصوره للعالم ورؤيته للحياة الاجتماعية، وهي الجسر الرابط بين دول العالم العربي، لقد تم في هذا اليوم الإعلان عن تأسيس ائتلاف جمعوي بالمغرب، للدفاع عن اللغة العربية في ظل هيمنة الفرنسية على مجالات الحياة اليومية وقد كانت كل المداخلات مهمة، ولكن نكتفي بمداخلتي كل من الدكتور أحمد العراقي، والدكتور موسى الشامي.
أحمد العراقي: هيمنة الاقتصادي على الثقافي اللغوي
اعتبر الدكتور أحمد العراقي، الوزير السابق، والطبيب والمحلل السياسي والاقتصادي، في بداية عرضه، أن تناول اللغة من زاوية التنمية المستدامة طرح ضروري وأساسي، خاصة في ظل هيمنة اللغة الأجنبية، والفرنسية منها على وجه الخصوص في مختلف مناحي الحياة العامة، وبدرجة أقل الخاصة، وهي عولمة من نوع خاص، إذ أن هيمنة الاقتصادي والتجاري تقود حتما إلى هيمنة اللغوي والثقافي والاجتماعي، بل حتى السياسي والتعليمي .. الخ.
وألح على وجوب تفادي معالجة الأوضاع في غياب الربط بين الأعراض ومسبباتها. وأشار إلى أننا عندما نتكلم عن التنمية المستدامة في 2011، فنحن إنما نتكلم عن شيء مجهول، نظرا لتواجد الحلول والوصفات الجاهزة التي اعتبرناها أساسا، دون أن نكلف أنفسنا جهد أو عناء التفكير في بدائل مستمدة من واقعنا، ومن توجهاتنا وحاجاتنا وإمكانياتنا الذاتية، مع ترك الباب مفتوحا أمام الاستفادة من الآخر.
ومن بين أهم النقاط التي طرحها البروفيسور أحمد العراقي، تلك التي تتضمنها المنظومة التي أطلق عليها: الاحتراس الأمني التنموي، وحددها في عشرة مفاتيح كالآتي: العلم و المعرفة قبل الإيديولوجية، الهوية قبل الانفتاح، التحديات قبل الرهانات، الأهداف قبل الوسائل، الحاجيات قبل الرغبات، التشارك الاستراتيجي قبل الإنجاز، المسببات قبل الأعراض ،المسؤولية قبل إبداء الرأي، الامتثال لمبدأ المحاسبة قبل ممارسة السلطة، التقييم الموضوعي قبل تحيين المشاريع.
كما رسم تداخلات اللغة (التنموية والأمنية) وأسس قيام الصحوة اللغوية من خلال عناصر، أبرزها: التواصل السليم، فوائد القيمة، حماية الرأسمال الطبيعي، التأهيل السليم، التشارك، التأهيل المجتمعي، التنشئة الملائمة، وعقلنة جهاز التربية و التعليم.
وأكد البروفيسور العراقي أن من بين أهم مقومات التنمية اللغوية بالمغرب إنهاء مسلسل التلوث اللغوي بالإدارة، والمرافق العمومية، وبفضاءات العيش المختلفة ، وبوسائل الإعلام، وغيرها.
موسى الشامي :نحن في الحاجة إلى الاستعانة باللغات الأجنبية لا إلى تبنيها
عندما نتكلم في المغرب عن ضرورة تعلم اللغات الأجنبية، نعني بتلك اللغات، لغات الدول المتقدمة. والقصد من ذلك يجب أن يكون هو الاستنجاد بها في التنمية التي ننشدها، لأن هذه اللغات هي التي تنتج اليوم المعرفة التي نحن في أمس الحاجة إليها، والتي نكتفي الآن باستهلاكها. لكن البعض منا يستنجد بهذه اللغات قصد تكريس دونية اللغة العربية وما تتهم به من قصور، وحشرجة، وقرب مفارقتها للحياة، كما نقرأ ذلك في أدبياتهم غير العلمية.
هذه اللغة القائمة بذاتها منذ زمن قديم، هي التي علينا أن ننفتح عليها، وأن نحتضنها قبل غيرها احتراما لسيادة قانون الدولة المغربية، وحفاظا على جزء كبير من هويتنا وعلى الرقعة الجغرافية التي نسميها اليوم "المغرب"، وكل انفتاح على غيرها من اللغات الأجنبية يجب أن يكون من أجل تزويدها بالعتاد العلمي والمعرفي الذي تفتقر إليه الآن لأسباب تاريخية وظرفية ومرحلية معروفة. وهذا التزويد بالمعرفة العلمية والتكنولوجية يمكن أن يتم بطرق شتى، منها الترجمة التي تلعب دورا كبيرا في ضخ الدماء الجديدة لكل لغة تريد أن تستمر في الحياة إذ عليها أن تفتح الأبواب للتهوية و ليس للذوبان.
ما هي اللغات الأجنبية القمينة بتزويد ما تحتاج إليه اللغة الدستورية للبلاد؟
اللغة الفرنسية هي اللغة المفضلة عندنا اليوم لأسباب تاريخية معروفة، وكان يصعب في بداية الاستقلال التخلي عنها، كما أن فرنسا في 1956 رغم ما عانته في الحرب العالمية الثانية من دمار، كانت تتمتع ومازالت إلى الآن، بمرتبة علمية عالمية يجعلها من بين البلدان الخمس الأوائل المتحكمة في التكنولوجيا الحديثة عبر العالم، ولا يجب أن نستصغر هذا المطلب اليوم، بنوع من التعويض في لمحة البصر بلغة أخرى. صحيح أن الباحثين الفرنسيين أنفسهم، في معظمهم، يدركون الآن أن الإلمام باللغة الإنجليزية من الضرورة بمكان، وأن التكنولوجيا الفرنسية قد تخسر الكثير، إذا هي لم تواكب ما يحدث من تقدم تكنولوجي في العالم الأنجلوأميركي. لذلك نلاحظ أن الإلمام باللغة الإنجليزية بالنسبة للبحث العلمي الفرنسي قضية ذات أهمية بالغة.




والملاحظ كذلك أنه رغم هذا المعطى، أي الشعور بضرورة التمكن من اللغة الإنجليزية في مراكز البحث بفرنسا، للحصول على المعرفة المصنوعة بهذه اللغة، فإن التكنولوجيا الفرنسية تظل فرنسية اللسان، تتزود بلغة الغير وتنتج بلغتها وتصدر بلغتها. وليس لفرنسا غير ذلك من خيار إذا أرادت أن تظل هي فرنسا. وهناك من يقول: صحيح أن فرنسا تسجل تأخرا نسبيا في تنميتها، وهو شيء طبيعي نظرا لعدد سكانها ولكن التقدم الذي تحرز عليه يكون بلغتها، وهذا أساسي بالنسبة لها ككيان مستقل.
ولا بد من الإشارة إلى أن فرنسا التي تعرف فسيفساء لغوية معقدة، أكثر من المغرب، تعمل على فرض لغتها الرسمية وحمايتها في الداخل والخارج بكل الوسائل، وربما كان ما تبديه من تحفظ إزاء استعمال الباحثين الفرنسيين للغة الإنجليزية هو مجرد مناورة، فهي تعرف أنها في حاجة ماسة إلى ذلك لكي لا تتخلف ولكي تظل مواكبة للركب، إذ هي تستعمل اللغة الإنجليزية في البحث العلمي، للاستفادة منه حتى لا تتأخر.
ما يحدث في المغرب اليوم هو خلط كبير بين مفهومي "الفرانكفونية" و"الفرنسية". وهنا يجب تحديد المصطلحات لتوضيح المعنى. فـ "الفرانكفونية"، مفهوم ثقافي. واللغة الفرنسية، لغة حضارة كبيرة، أسهمت بشكل كبير في تقدم الفكر الإنساني، ولا أحد يجادل في هذا. وشيء جميل أن نعرف هذه اللغة، أن ندرس بها، أن نقرأ بها، أن نبحث بها، أن نترجم منها إلى لغتنا الرسمية لنقتبس منها ما هو مفيد. فهذا ثراء ما بعده ثراء. ومن يرفض هذا الثراء فهو يدفع بنفسه إلى الانزواء والتهلكة. قد يصعب الاستغناء عن الاستعانة باللغة الفرنسية الآن، فلنستعن بها لكن دون السقوط في الاستلاب، والذوبان الكلي، ولننفتح على لغات أخرى كالإنجليزية التي هي اليوم لغة علمية عالمية رغم أنها ستعرف هي كذلك في السنوات القادمة تراجعا، في الولايات المتحدة يلاحظ اليوم اجتياح الإسبانية في كثير من الولايات، الشيء الذي سيؤثر على مردودها العلمي في الاكتشافات التكنولوجية. وستتراجع كذلك في إنجلترا حيث تطالب إكوسيا وبلاد الغال وإيرلندا باستقلالها اللغوي.
هل يمكن أن تتقدم أمة بلغات أمم أخرى تاركة لغتها؟
العجب أن تصبح اللغة الفرنسية لغة شوارعنا وإداراتنا، وبيوتنا وواجهات محلات تجارتنا ومطاعمنا ومقاهينا ومحلات خياطينا وحلاقينا حتى في الدروب الشعبية العتيقة حيث لا أثر لسكان من جنسية فرنسية، وأن تصبح اللغة الفرنسية لغة مسؤولينا في السمعي البصري، وأن تصبح هي اللغة الوحيدة المستعملة في البحث العلمي في جامعاتنا دون محاولة جعل اللغة الدستورية للبلاد تستفيد مؤسساتيا، عبر الترجمة، وغير الترجمة، من هذا الرصيد المعرفي المعبر عنه بلغة الغير، وهو انزلاق خطير، لأنه يحكم على المغرب بالتبعية اللغوية التي تؤدي إلى كل أنواع التبعيات الأخرى ويلغي هويته واستقلاله.
ماذا حدث من تغير في الدول الإفريقية التي رسمت اللغة الفرنسية، وكذلك اللغة الإنجليزية، لغة التقدم العلمي اليوم، في غياب لغة قائمة الذات لهذه الدول، كاللغة العربية بالنسبة للبلاد العربية؟ هل تقدمت؟ هل عرفت قفزة نوعية في حياتها المعرفية؟ وهل يمكن لأمة من الأمم أن تتقدم بلغات غيرها من الدول؟ نحن، بخلاف الدول الإفريقية، رسمنا اللغة العربية، لكن في الورق، ورسمنا اللغة الفرنسية في الواقع المعيش. والنتيجة أننا أصبحنا نعيش فصاما لغويا لن يؤدي بنا سوى للهذيان.
كيف تشتغل بعض الدول الصغيرة والمتقدمة جدا كالدول الإسكاندينافية على سبيل المثال لا الحصر؟ إنها تأخذ من اللغة الإنجليزية ما تحتاج إليه من زاد معرفي وتشتغل بلغاتها الرسمية. فلكل من السويد والنرويج وفنلندا لغات وطنية رسمية، بها تشتغل وبها تتقدم. وأما اللذين يشتغلون بلغة الغير، كالإنجليزية والفرنسية بعد أن رسموها، كبعض الدول الإفريقية التي تفتقد إلى لغات قائمة الذات، فهم، نظرا للوضعية الذيلية التي يوجدون فيها، يجترون إنتاج الغير، ويتكلون عليه في كل شيء، وهكذا سيظلون إن لم تدركهم اليقظة.
استعمال لغة الغير وحدها في التعليم العلمي والبحث بجميع أشكاله، يعني فيما يعنيه الاتكال على هذا الغير في كل شيء. واستعمالنا للغة الغير دون لجوئنا إلى ترجمة علومه إلى لغتنا الدستورية لن يزيدنا إلا مزيدا من التبعية والذيلية والذوبان النهائي. أو إلى أين نسير؟ فأين نسير؟
الدولة هي التي يجب أن تقوم بكيفية ممنهجة وبنظرة مستقبلية بالتخطيط لتدريس اللغات الأجنبية، وألا تترك الأمر للأفراد، يقررون فيه، بكيفية منفردة ومنعزلة، وبحسب ما تهوى أنفسهم ومصالحهم.
لا بد من حوار وطني على مستوى الدولة لترشيد الحقل اللغوي عندنا برمته، ولإعادة الاعتبار للغة الدستورية للبلاد، وفي غياب ذلك وهو ما نشاهده اليوم حولنا، وعلى المجتمع المدني أن يتحمل مسؤوليته، وقد نادينا مرارا في الجمعية المغربية بهذا التصحيح، لحماية اللغة العربية بسن سياسة لغوية رشيدة بالمغرب، وما فتئنا ننادي بذلك، ونعرف أن هذا يتطلب الصبر والمثابرة والنفس الطويل والحوارات الساخنة التي لا بد أن تأتي بالنتائج أخيرا.

بديل تركي - إندونيسي لا إيراني للمنطقة

الخميس 30 صفر 1432هـ - 03 فبراير 2011م 
سعد محيو
هل صحيح أن الشرق الأوسط العربي يسير بخطى حثيثة نحو ديكتاتوريات جديدة، دينية هذه المرة، تحلّ مكان الحكومات السلطوية الحالية؟
ثمة طرف واحد في المنطقة يعتقد ذلك: “إسرائيل” .

فبنيامين نتنياهو يُحذّر من تكرار ما حدث في إيران العام 1979 (حين استولت حركة أصولية دينية على ثورة مدنية ملايينية) في العديد من الدول العربية . والكاتب والسياسي “الإسرائيلي” رون ليشيم يعتقد أن ثمة نظاماً إقليمياً جديداً ترفرف عليه رايات الحركات الراديكالية الإسلامية يولد الآن في كل أنحاء الشرق الأوسط .

بيد أن كل هذه التحذيرات المُغلّفة بورق سوليفان التحليلات الأنيقة، هي في الواقع إما أجراس إنذار لإرهاب الغرب وحمله على الوقوف في وجه الثورات المدنية العربية، أو مجرد تفكير رغائبي من جانب طرف يُصلي ليل نهار لإشعال حروب الحضارات بين الشرق والغرب .

الحقيقة تكمن في مكان آخر: لاتكرار لثورة إيران في الدول العربية، ليس فقط لأنه ليس ثمة رجال دين فيها، بل أيضاً لأن المجتمعات العربية تطورت خلال العقود الأربعة الماضية كي تُصبح أكثر تعددية بما لا يُقاس سياسياً وفكرياً، وأقل تسامحاً بما لايقاس مع أي محاولات لإعادة مصادرة حقوق المجتمع المدني، أياً كان مصدرها .

أجل . الحركات الإسلامية في الدول العربية لم تنضج ديمقراطياً بعد . لكنها تغيرّت بما يكفي كي تقبل الآخر ومعه مبدأ التداول السلمي للسلطة . وهذا واضح في أدبيات حزبي النهضة في تونس والعدالة والتنمية في المغرب والاخوان المسلمين في مصر .

وهذا يشي بأن مرحلة التغييرات في المنطقة سترقص على دف آخر غير الدف الأصولي الإيراني . لا بل العكس قد يكون صحيحاً: المعارضة الخضراء الإيرانية، التي كادت تعلن الثورة الشعبية العام 2009 بعد الانتخابات الرئاسية، هي التي قد تُقلّد الثورات المدنية العربية الراهنة .

النموذج الأقرب للثورات العربية سيكون على الأرجح تجارب الانتقال إلى الديمقراطية في كل من إندونيسيا وتركيا .

ففي إندونيسيا لعبت الحكومات السلطوية دوراً مهيمناً منذ استقلال البلاد العام ،1945 ثم بعد انقلاب سوهارتو الدموي المدعوم أمريكياً الذي ذهب ضحيته نحو نصف مليون مواطن . فالأجهزة الأمنية التي هيمنت على إندونيسيا في عهده، صادرت معظم مناحي الحياة السياسية، وأخضعت قطاعات واسعة من السكان إلى رقابتها القوية، ومارست “الهندسة الاجتماعية” على نطاق واسع . في ظل هذه الظروف، كان الإصلاح صعباً، وتطلب الأمر انتظار رحيل سوهارتو وتدمقرط الحركات الإسلامية لتدشين المرحلة الانتقالية إلى الديمقراطية . ومن ثَمَ، كان هذا الإصلاح جزءاً من عملية أوسع لدمقرطة النظام ونزع عسكرته، وهي العملية التي بدأت بعد الأزمة المالية الآسيوية في يوليو/ تموز العام ،1997 والتي لم تكن لتُقلع لولا دعم ضباط عسكريين إصلاحيين اقتنعوا بأن سيطرة أجهزة الاستخبارات على الحياة السياسية لم يعد ممكناً .

وفي تركيا، لم يكن وصول الإسلاميين إلى السلطة ممكناً، كما هو معروف، لولا أنهم طوّروا برامجهم وتبنّوا بالكامل الأجندة الديمقراطية على نمط الأحزاب الديمقراطية المسيحية في أوروبا الغربية .

مستقبل العرب، إذاً، سيكمن في الغالب في حاضر إندونيسيا وتركيا . وهذه ستكون أنباء سيئة لنتنياهو ورون ليشيم . سيئة للغاية في الواقع .


نقلا عن (الخليج) الاماراتية

السبت، 15 يناير 2011

شمس الإسلام تسطع على العالم

الجمعة 14 يناير 2011
شاءت إرادة الله سبحانه وتعالى أن يختم موكب الأنبياء والرسل بمحمد -عليه الصلاة والسلام- وشاءت إرادته سبحانه وتعالى كذلك أن ينزل عليه أنبل رسالة، وأكمل تشريع. هذه الرسالة التي حملت مشعل الهداية من السماء إلى الأرض، فسطع نورها ليعم مشارق الأرض ومغاربها، وليغير ما اغبر من وجه التاريخ، ولينقل -في الوقت ذاته- البشرية من ظلام الجاهلية الدامس إلى نور الحضارة وشموس اليقين.
والمتأمل يلحظ أن النقلة الحضارية للبشرية كانت بدايتها عند الإنسان العربي ذاته، حيث نقله الإسلام من ظلمات الجاهلية، ونعرات العصبية التي يعصف ريحها بالكيان القبلي عند الإنسان العربي إلى وحدة قوامها الإسلام شعارها «لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى والعمل الصالح». ولعل هذا ما أشار إليه الحق سبحانه وتعالى حين قال: «كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ» (إبراهيم آية 1).
ولقد أحس الإنسان العربي بهذه النقلة الحضارية، حيث ذاق مرارة العصبية والتخلف في الجاهلية، وذاق حلاوة المعرفة والتمدن في ظلال التشريعات الإسلامية الخالدة، فآثر الثانية على الأولى، ووقف مكافحاً ومدافعاً عما أنعم الله سبحانه وتعالى به عليه من مدنية وحضارة قوامها دين حنيف، ودعامتها أخلاق فاضلة أنقذته من براثن الفحش والرذيلة، وسمت به إلى ذرى العز والفضيلة، حتى وجدنا جعفر بن أبي طالب يقف مفاخراً بهذه الحقيقة التي تنبئ عن سطوع شموس الحضارة على الأمة العربية فيقول مخاطباً النجاشي، كما يروى ابن هشام في سيرته «أيها الملك: كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوى منا الضعيف... فكنا على ذلك حتى بعث الله تعالى إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وأباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام.. فصدقناه واتبعناه على ما جاء به من الله سبحانه وتعالى».

إن هذه الكلمات الرائعة لتعبر عن نفسية صادقة ذاقت مرارة الجاهلية وانحدار الخلق فيها، ثم منَ الله عليها فذاقت حلاوة الإيمان، فأيقنت بربانية ما فيه من قيم أخلاقية، ونبل ما فيه من غايات ومثل إنسانية، فانطلقت معبرة عن واقعها قولاً وفعلاً وسلوكاً، حتى أثمر ذلك قناعة عقلية، ويقيناً فكرياً بسمو ما تدعوا إليه من رسالة، ونبل ما تؤمن به من تشريع. وفى سبيل الوصول إلى ذلك، تعددت أزمنة وأمكنة اللقاء بين الشرق والغرب، والتي منها سطع شمس الإسلام على العالم بأسره، فكانت على سبيل المثال فكرة الرحلة إلى بيت المقدس التي مثلت ظاهرة شعبية في العالم الأوروبي في القرنين العاشر والحادي عشر الميلادي، حيث زادت أعداد الحجيج المسيحيين بشكل كبير، ولعل سبب ذلك الاعتقاد الذي شاع في أوروبا عن نهاية العالم بنهاية القرن العاشر الميلادي، وبسبب سيطرة الدين القوية حينئذ على نفوس الناس، الأمر الذي أدى إلى وجود تفاعل قوى بين مفردات الحضارة الإسلامية النابغة في الشرق، وبين مفردات الحضارة الأوربية في الغرب ما جعل جموع الحجيج الأوروبيين ينبهرون بما لمسوه من مظاهر الرقي والتقدم للحضارة الإسلامية في بلاد الشام وغيرها مما به من ديار الإسلام.
أضف إلى ذلك، مرحلة الإخصاب الفكري من خلال الترجمة من العربية إلى اللاتينية وغيرها من اللغات الأوروبية، وذلك عن طريق الأندلس وصقلية وغيرهما من الحواضر والبلدان التي فتحها المسلمون ووهبوها الثقافات المتنوعة، والعقليات المتفتحة وصنوف الكتب العربية التي تمثل الإرث الثقافي والحضاري لنتاج الفكر الإسلامي.
فلم تمض فترة إلا وأثمر ذلك في ميدان الفكر والمعرفة ثماراً يانعة في التشريع والطبيعة والطب والكيمياء والفلك. ويكفى أن نعلم أن العرب في صقلية أنشأوا مدرسة للطب لم يُعرف مثيل لها في العالم بأثره، وعلى غرارها أنشأت إيطاليا مدارسها الطبية. حتى بعد خروج العرب من صقلية على أيدى النورمان، إذ نلمح أن الحضارة الإسلامية قد أثرت في طباعهم، حيث ساروا على نهج المسلمين في التسامح وتنشيط الحركة الثقافية في الجزيرة، وكان من علامة ذلك أن تركوا المسلمين في عاداتهم وتقاليدهم ودينهم، ما أدى إلى ريادة الجو العلمي الإسلامي في تلك البقاع أزمنة مديدة.
وفوق ذلك استعان النورمان بالعلماء والنابهين من المسلمين، واستخدموهم في دواوينهم وأعمالهم، بل تذكر المراجع التاريخية أن النورمان أبقوا على اللغة العربية لغة رسمية طوال حكمهم لجزيرة صقلية. أضف إلى ذلك أيضاً رحلات التجار العرب التي حملت الإشعاع الحضاري على الكثير من البلدان الأوروبية، ومن خلالها أثر التشريع الإسلامي في العديد من القوانين التجارية في أوروبا تأثيراً ملحوظاً، فكان من علامات ذلك وجود نظرية «العقد» في العديد من القوانين الأوروبية، والتي استمدت من التشريع الإسلامي، حيث قامت فيه على الرضائية مجنبين في الوقت ذاته ما نص عليه القانون الروماني حول تلك النظرية نظراً لما قامت عليه من شكلية، واتسمت به من تعقيد شديد.
أضف إلى ذلك أيضاً التراث العلمي الإسلامي في مجال الطب، فبعد أن كانت بعض المجتمعات تمنع العلاج نظراً لرؤيتهم أن المرض عقاب من الله تعالى انطلق المسلمون إلى النبوغ والبراعة في هذا المجال استناداً إلى الأمر الإسلامي بالتداوي، فكان ابن سينا والرازي، وغيرهما من أبرز الأطباء في العالم الإسلامي، ويكفى أن نعلم أن كتاب القانون في الطب لابن سينا قد ترجم في القرن الثاني عشر، وطبع عدة مرات ليكون أساساً للدراسات الطبية في جامعات فرنسا وإيطاليا، كما نص على ذلك جوستاف لوبون في كتابه «حضارة العرب»، بل ذكرت بعض المجلات أن ذلك الكتاب ظل يُدرس في جامعة بروكسيل حتى عام 1909م، كما نص على ذلك واحد من أعظم رموز الطب في العصر الحديث، وهو السير وليام اوسلر، أضف إلى ذلك أن جامعة برنستون الأميركية قد أطلقت اسم «الرازى» - الطبيب العربي – على أكبر أجنحتها تخليداً لذكراه، واعترافاً بفضله.
في ضوء تلك المعطيات وغيرها، لا نعد مبالغين إن نقلنا ما ذكره بريفولت في كتابه «تاريخ الإنسانية»: «لم يكن العلم وحده هو الذي أعاد إلى أوروبا الحياة، بل إن مؤثرات أخرى كثيرة من مؤثرات الحضارة الإسلامية بعثت باكورة أشعتها إلى الحياة الأوروبية... فليس ثمة ناحية واحدة من نواحي الازدهار الأوروبي، إلا ويمكن إرجاع أصلها إلى مؤثرات الثقافة الإسلامية بصورة قاطعة.. إن ما يدين به علمنا لعلم العرب ليس فيما قدموه لنا من كشوف مدهشة لنظريات مبتكرة فحسب، بل يدين هذا العلم إلى الثقافة العربية بأكثر من هذا، إنه يدين لها بوجوده نفسه».
د. محمد عبد الرحيم البيومي
كلية الشريعة والقانون - جامعة الإمارات

المصدر

الجمعة، 14 يناير 2011

انفصال جنوب السودان .. ومخططات تفتيت العالم الإسلامي

د.حمدي عبد الرحمن
شملت النماذج التاريخية للهجوم الأجنبي على العالم الإسلامي بغض النظر عن أساليب التنفيذ الاستراتيجية، ما يمكن أن نسميه سياسة تقطيع الأطراف الإسلامية التي جسدتها عمليات الاسترداد الإسبانية للأندلس، تم تقطيع وتجزئة الدولة العثمانية، وهو ما تجلى في خبرة الاستعمار الأوروبي الحديث. كما أن نشأة الدولة الإسلامية الحديثة لم تمنع من استمرار آليات التدخل الخارجي. ويلاحظ أن مبدأ التعامل مع العالم الإسلامي والعربي تحديداً، بهدف إضعافه من الداخل، بغض النظر عن أدوات التنفيذ، يجد أسسه ومنطلقاته في الفكر الاستراتيجي البريطاني. ويبدو أن الخبرة الأمريكية المعاصرة ورثت تلك التقاليد وحاولت تطبيقها وإعمالها ولو بأشكال أخرى.
مبادئ التعامل الغربي
مع العالم الإسلامي
وتظهر النماذج التاريخية لتعامل القوى الأوروبية مع العالم الإسلامي أنها استندت إلى جملة من المبادئ العامة في تعاملها مع الداخل الإسلامي، ومن ذلك:
أولا: مبدأ التفتيت، وهو يعني العمل قدر المستطاع على تجزئة عناصر الجسد السياسي الإسلامي بحيث يتحول إلى عناصر متمايزة بعضها عن بعض، وهو ما يعني امتلاك كل منها إدراكا مختلفاً ورؤى وتصورات متباينة. بيد أن هذا التنوع والتعدد يخفي في حقيقة أمره تناقضاً أساسياً ربما يدفع إلى الصدام والعداوة. وتظهر الخبرة التاريخية أن السياسة الفرنسية استخدمت مفهوم الأقليات في الدول الإسلامية بهدف إضعاف النخب الحاكمة التقليدية، بل اعتباره مدخلا للتفتيت والتجزئة. ويذكر العلامة الراحل الدكتور حامد ربيع أن السياسة الأمريكية تتبنى الأدوات التالية لتفتيت العالم العربي: تشجيع الشعوبية, بمعنى إحياء القوميات والعصبيات, تدعيم مفهوم الولاء الطائفي ـــ بمعنى إذكاء الصراع بين أبناء الأمة ـــ مسلمين ونصارى ورعاة ورعية, مساندة الزعامات المهلهلة ودفعها إلى مواقع السلطة, خلق طبقات منتفعة طفيلية, استخدام أساليب التسميم السياسي, الأبحاث الميدانية الأمريكية ودورها في خدمة هذه السياسات.
ويلاحظ أن إحدى اللحظات الكبرى في تطور النظام الدولي ارتبطت بخضوع العالم الإسلامي للهيمنة الغربية، التي كانت الحملة النابليونية على مصر عام 1798 علامة على بداية اكتساح العالم الإسلامي وتقسيمه بين القوى الاستعمارية الكبرى. على أن الاستقلال عن المستعمر أفضى إلى استكمال حلقات تقسيم وتفتيت العالم الإسلامي وإعادة صياغته من الناحية الجيوستراتيجية وفقا لخرائط وتقسيمات جديدة. بيد أن التطور الأخطر في هذا السياق تمثل في زرع كيان جديد في موضع القلب منه بهدف حل المسألة اليهودية في العالم، والتأكيد في الوقت ذاته على مبدأ تفتيت الجسد الإسلامي بصورة دائمة.
ثانيا: مبدأ شد الأطراف: يأتي هذا المبدأ ليعبر عن فلسفة ومنطق التفتيت ويكملها في آن واحد. وطبقاً لأستاذنا العلامة حامد ربيع فإن شد الأطراف يعني في جوهره: ''خلق حالة شلل في الأطراف، الأمر الذي يترتب عليه عدم قدرة الجسد على الحركة بكامل قدراته''. ومما يساعد على تطبيق هذا المبدأ اتساع رقعة العالم الإسلامي الذي يمتد من تركيا حتى إندونيسيا مرورا بإيران وباكستان وأفغانستان ومن المحيط الأطلنطي حتى الخليج العربي. وعلى الرغم من وحدة الدين والمعتقد التي تجمع بين أواصر هذه الدائرة الإسلامية الواسعة المترامية الأطراف، فإن إعمال مخطط التفتيت أدى إلى جعل أطراف تلك الدائرة تمثل مصالح متمايزة، بل ربما في بعض المواقف متناقضة، وهو ما يجعل مسألة اجتذابها من جانب قوى خارجية مسألة سهلة المنال.
وتجسد هذا المبدأ ــــ على سبيل المثال ــــ في مناطق التماس العربية ــــ الإفريقية مثل حالتي جنوب السودان وثورة الطوارق في مناطق ساحل الصحراء الإفريقية. ويرجع منطق التفتيت هنا إلى خلق مراكز للجذب الإقليمي, حيث إنه لا يعزى إلى عدم التجانس الديني. ولا يخفى أن السياسة البريطانية تحديداً برعت في تطبيق هذا المبدأ وقامت بصياغة تقاليده الاستراتيجية.
ثالثا: مبدأ الإحاطة والعزلة: وهو يسعى إلى خلق كيانات قومية متباعدة من حيث مدركاتها الفكرية والأيديولوجية، وسرعان ما تجد هذه الكيانات نفسها وحيدة في لحظات الصدام العضوي دون نصير خارجي أو قوى دولية متعاطفة أو مؤيدة لها، ولو من حيث المساندة المعنوية. ويسعى هذا المبدأ إلى إفساد السياسات الإقليمية بما يشتمل عليه من تفاعلات وتحالفات بهدف عزل وإحاطة بعض القوى الإسلامية الفاعلة. ولعل محاولات فصل الدائرة الإسلامية الكبرى وتحويلها إلى دوائر أصغر تبدو متناقضة مثل الدائرة العربية في مواجهة الدائرة الإفريقية خير دليل على ما نقول. وتعطي الحالة السودانية ــــ كما بينا ــــ نموذجاً واضحاً لتطبيق هذا المبدأ، فقد تم احتواء السودان وعزله تارة بحجة رعايته الإرهاب, وتارة أخرى من خلال تفجيره من الداخل من خلال تصوير نزاعاته الداخلية في دارفور باعتبارها صراع هويات: الإفريقية في مواجهة العروبة. ولا شك أن تطبيق هذا المبدأ يزيد من فاعلية منطق التفتيت وشد الأطراف في التعامل مع الجسد الإسلامي المستهدف.
التقاليد الإسرائيلية في تفتيت العالم الإسلامي
ومن اللافت للنظر أن الدبلوماسية الإسرائيلية تبنت المبادئ والمنطق نفسه الذي قام عليه مخطط التفتيت في التعامل الحركي مع العالم الإسلامي. فالفكر الاستراتيجي الإسرائيلي في توظيفه لمسألة الأقليات في العالم الإسلامي اعتمد سياسة شد الأطراف ثم بترها. يعني ذلك في جوهره مد الجسور مع الأقليات وجذبها خارج نطاقها الوطني والحضاري، ثم تشجيعها في مرحلة لاحقة على الانفصال، وهذا هو المراد بالبتر.
في عام 1982 نشرت مجلة ''كيفونيم'' التي تصدر بالعبرية وتعد لسان حال المنظمة الصهيونية العالمية مقالاً مهماً يعد وثيقة في حد ذاته تحت عنوان ''استراتيجية إسرائيل في الثمانينيات'' وهي تهدف إلى تقسيم المنطقة العربية إلى دول صغيرة, إضافة إلى تفكيك الدول القائمة وتفتيتها. على سبيل المثال فإن هذا المخطط الصهيوني يرمي إلى تفتيت مصر من خلال إنشاء دولة قبطية في الجنوب. وستقتفي دول عربية أخرى أثر مصر مثل ليبيا والسودان الذي سينهار بدوره لينقسم إلى دويلات صغيرة.
ومن الجدير بالنظر حقاً أن هذه الخطة التي نشرت أوائل الثمانينيات، أي قبل الغزو الأمريكي للعراق واحتلاله عام 2003 تشير إلى أن تفتيت العراق وسورية إلى مناطق ذات خصوصية إثنية ودينية، على غرار لبنان، هدف استراتيجي من الدرجة الأولى، ونظراً لأن العراق أقوى من سورية وقوته تشكل على المدى القصير خطراً على إسرائيل أكثر من أي خطر آخر، فإنه يعد المرشح الأقوى لتحقيق أهداف إسرائيل, يعني ذلك أن تفتيت العراق أكثر أهمية من تفتيت سورية.
وينطلق الفكر الصهيوني من قناعة راسخة بأن العالم العربي تتنازعه الانقسامات العرقية والطائفية والدينية ومن ثم يصبح من السهل اختراقه وإضعافه من الداخل من خلال التآمر عليه مع تلك الأقليات وتشجيعها على التمرد وإقامة دويلات منفصلة قد ترتمي في أحضان كيانات إقليمية أخرى غير عربية. ترى إسرائيل أن وجود تلك الدويلات التي تحكمها أقليات دينية أو ثقافية الوسيلة المثلى لإنهاك الوطن العربي من الداخل ومن ثم يسهل تجزئته وتفتيته.
وتشير الأدبيات الإسرائيلية إلى أن الكيان الصهيوني كان له دور بارز منذ البداية في تشجيع ودعم الحركات الانفصالية في جنوب السودان. ففي كتاب العميد موشيه فيرجي ''إسرائيل وحركة تحرير جنوب السودان'', الذي صدر عن مركز ديان لدراسات الشرق الأوسط في جامعة تل أبيب عام 2003 تسجيل وثائقي للتفاعلات الإسرائيلية في منطقة شرق إفريقيا منذ خمسينيات القرن الماضي، أي بعيد إعلان قيام دولة إسرائيل بفترة قصيرة.
لقد استغلت إسرائيل دول الجوار الإقليمي للسودان مثل أوغندا وكينيا وإثيوبيا والكونغو الديمقراطية بهدف إقامة المعسكرات لتقديم الدعم والتدريب والأسلحة للمتمردين في جنوب السودان منذ حركة ''أنيانيا'' التي قادت التمرد في مرحلته الأولي (1955 ــــ 1972) والحركة الشعبية لتحرير السودان خلال الفترة (1983 ــــ 2005). واستقبلت إسرائيل عديدا من قادة التمرد وعلى رأسهم الراحل جون قرنق, حيث زودتهم بالمال والعتاد. وكان جليا أن الدعم الإسرائيلي للحركة الشعبية لتحرير السودان قد ازداد من حيث الكم والكيف في منتصف التسعينيات بحيث شمل المجالات كافة, ولا سيما التدريب والتسليح وتبادل المعلومات الاستخباراتية.
وفي اعترافات مثيرة أكد الجنرال عاموس يادلين رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية العام الماضي أثناء حفل تسليم مهام منصبه, أن إسرائيل قامت بدور بارز في السودان, حيث كان الهدف الاستراتيجي حصار مصر وتطويقها عبر البوابة السودانية.
وفي اعتقادي فإن إحدى التداعيات الكبرى لانفصال الجنوب السوداني ستتمثل في إعادة رسم خريطة التحالفات الإقليمية الكبرى بحيث يصبح جنوب السودان المستقل قاعدة انطلاق للسياسة الإسرائيلية والغربية في مواجهة دول الجوار العربي والإسلامي. وتشير الدلائل الواقعية إلى أن إسرائيل بدأت بالفعل في اختراق حكومة جنوب السودان سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة, وأن زعيم الحركة الشعبية ورئيس حكومة الجنوب الفريق سلفا كير أعرب في أكثر من مناسبة عن رغبته في تطوير علاقات وثيقة مع الكيان الصهيوني.
ويبدو أن طبيعة التحالفات الجديدة في منطقة شرق إفريقيا بعد إعلان استقلال جنوب السودان وانضمامه إلى التكتل الاقتصادي الذي أعلنته كل من تنزانيا وأوغندا وإثيوبيا وكينيا عام 1999 ستفضي لا محالة إلى النيل من مكانة مصر الإقليمية مقابل دعم وترسيخ الدور الإثيوبي المتصاعد في المنطقة. ولعل ذلك يضفي مزيدا من التعقيد على أزمة مصر المائية التي شهدت تحولا فاصلا في مواقف دول منابع النيل, التي رفضت النظام القانوني السائد منذ العهد الاستعماري الذي يكفل الحقوق التاريخية المكتسبة لمصر في مياه النيل. وإذا أخذنا في الاعتبار تفتيت الصومال إلى عدة دويلات مثل أرض الصومال وبونتلاند وإمارة شباب المجاهدين لاتضح لنا بجلاء مدى التهديد الذي يواجهه مفهوم الأمن القومي العربي.
إن إعلان دولة جنوب السودان المستقلة بات أمراً مقبولاً بالنسبة للقوى الدولية الضاغطة, ولا سيما أن مثل هذه الدولة تسيطر عليها نخبة مسيحية ذات توجهات إفريقية بما يؤدي إلى تقويض المشروع الحضاري الإسلامي الذي يرفعه المؤتمر الوطني الحاكم في السودان. ولذلك نرى أن حالة انفصال جنوب السودان واستقلاله يؤكد أن مخطط تفتيت وتجزئة العالم العربي والإسلامي يجري على قدم وساق، وأن مستقبل المنطقة، لو تركت الأمور على ما هي عليه، ينذر بكارثة لا تحمد عقباها. ولعل قراءة الوضع الراهن تفيد بأن بعض أجزاء الدائرة الإسلامية أضحت مسرحاً للنفوذ الأمريكي وبتعاون كامل مع الهيمنة الإسرائيلية، أما باقي المناطق فإنها ستخضع لمفهوم التفتيت والتجزئة الطائفية والعرقية.
ما العمل إذن؟ سؤال ينبغي أن نوجهه لأنفسنا حتى نمارس مهمة الفعل الاستراتيجي ونفكر من أجل المستقبل متسلحين بأدوات تمكننا من مواجهة هذه المخططات التي تنال من وحدة الأمة العربية والإسلامية. إن مقدمات التفتيت والتجزئة تبدو واضحة للعيان في كل من اليمن والعراق وبلاد المغرب العربي. كما أن أصوات الاحتجاج الرافضة للظلم الاقتصادي والاجتماعي لا تخلو منها دول عربية وإسلامية كثيرة .. فهل نستمر في البكاء على أطلال الأندلس وجنوب السودان أم نحاسب أنفسنا أولا وننظر إلى الأمام؟ هذا هو التحدي.